د. منذر الحوارات : تناقضات ترامب: هل هي خطة أم سلوك؟
في الأول من أبريل 2026، انتظر الملايين خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب على أمل أن يحمل قراراً بوقف الحرب، وكما في كل مرة، جاء الخطاب مربكاً، مشتتاً، ومتناقضاً، يحمل في طياته الفكرة ونقيضها في آن واحد، وقد صعّب ذلك على متابعيه الوصول إلى نتيجة حاسمة حول مآلات الحرب ومستقبل المنطقة، لأنه، باختصار، امتنع عن وضع حد واضح للحرب، كل ذلك يفرض طرح السؤال الأهم: هل ترامب متناقض فعلاً؟ أم أننا اعتدنا نمطاً من الخطابات يقوم على التسلسل والوضوح، بينما يترك هو لنفسه حرية التفكير بمسارات متعددة؟
فعندما يقول إن «الأهداف الإستراتيجية تقترب من نهايتها»، ثم يضيف في
الخطاب نفسه: «سنضرب بقوة خلال الأسابيع القادمة»، فإن هذا يطرح سؤالاً
أكثر عمقاً، هل نحن أمام نهاية الحرب، أم أمام بداية مرحلة أكثر خطورة؟ هل
هذا تناقض، أم رسائل متعددة في أكثر من اتجاه؟ باعتقادي أن ترامب يوجّه هنا
رسالتين متوازيتين: الأولى إلى الداخل الأميركي، مفادها أن الأمور تحت
السيطرة وأن الحرب لن تطول؛ والثانية إلى إيران، بأن الأسوأ لم يبدأ بعد،
كما يظهر التناقض بين الخطاب والواقع على الأرض، فعندما يتحدث عن نهاية
الحرب خلال أسبوعين، تتدفق في المقابل التعزيزات العسكرية إلى منطقة الخليج
بوتيرة متسارعة.
الأمر نفسه يتكرر في مسألة تغيير النظام؛ إذ يقرّ بوضوح أن ذلك ليس هدفه،
لكنه في الوقت ذاته يتحدث عن رغبته في رؤية قيادة جديدة في إيران، ويبدو
هنا أنه يتجنب تقييد نفسه بالتزام سياسي مباشر، لكنه يترك الباب مفتوحاً
لمسار عسكري قد يؤدي إلى هذه النتيجة، فهو من الناحية السياسية، لا يريد
تحمّل كلفة التغيير كما حدث في العراق، لكنه لن يمانع إن حدث، وبذلك يتحلل
من المسؤولية دون أن يتخلى عن النتيجة.
حتى في موضوع مضيق هرمز، يبدو الخطاب في قمة التناقض، فهو يقول، على سبيل
المثال: «إذا أرادت فرنسا أو غيرها النفط، فليذهبوا ويحموا سفنهم بأنفسهم»،
ويضيف أن «المضيق ليس مسؤوليتنا وحدنا»، ثم يعود ليؤكد: «يمكننا فتحه
والسيطرة على النفط»، هنا يتجسد مفهومه الأساسي «أميركا أولاً»، إذ يرى أن
استقلال الولايات المتحدة طاقوياً يجعلها غير مضطرة لخوض حروب من أجل
تأمين إمدادات الطاقة للآخرين، متجاهلاً أن المضيق أُغلق نتيجة الحرب التي
يخوضها على إيران، وفي هذا السياق، يتحول المضيق إلى أداة ضغط سياسي ومالي
على الحلفاء والخصوم معاً، عبر مطالبتهم بتحمّل كلفة الحماية أو مواجهة
تبعاتها، وعندما يؤكد قدرة الولايات المتحدة على السيطرة على المضيق، فإنه
يذكّر الجميع بأن القرار النهائي ما يزال بيده، فيعيد بذلك تعريف الدور
الأميركي، وكذلك طبيعة العلاقة مع الحلفاء والخصوم في آن واحد.
أما في الميدان، فرغم أن المرحلة الأولى من الحرب لم تنتهِ كلياً إذ ما
تزال إيران تطلق الصواريخ والمسيّرات، وتحتفظ بجزء من قدراتها الدفاعية فإن
الولايات المتحدة انتقلت إلى المرحلة الثانية، التي وُصفت بإعادة إيران
إلى «العصر الحجري»، وقد جاء هذا الانتقال مباشرة بعد الخطاب، الذي ركّز
على أن الحرب محدودة، لتبدأ في المقابل عملية استهداف للبنية التحتية، من
جسور ومحطات طاقة، وهذا يعكس تحولاً واضحاً: من ضرب القدرات العسكرية إلى
إضعاف قدرة الدولة على الاستمرار، ويشير إلى أن الخطاب السياسي جاء
متزامناً مع تحضيرات ميدانية مسبقة.
إذاً، يتجنب ترامب الوضوح الكامل أو حتى الجزئي في خطاباته، كجزء من
إستراتيجية تمنحه حرية حركة واسعة، فالوضوح يقيّده بالتزامات محددة، بينما
يمنحه الغموض مساحة أكبر للمناورة، وفي الوقت نفسه، يضع الجميع في حالة من
الحيرة وعدم اليقين: بدءاً من إيران، مروراً بالحلفاء، وصولاً إلى الداخل
الأميركي الذي يسمع عن حسم قريب دون أي تفاصيل، هذا الغموض الترامبي ليس
تفصيلاً جانبياً، بل أحد أعمدة خطابه، فالتناقض هنا ليس خللاً، بل جزء من
طريقة تفكيره، التي تنظر إلى الحرب كسلسلة من الخيارات المفتوحة، القابلة
للتعديل في أي لحظة، وهذا أخطر ما في الأمر.
بهذا المعنى، فإن أخطر ما في خطاب ترامب ليس ما يقوله، بل الطريقة التي
يقوله بها، وما يرافقها من أفعال على الأرض، فعند الربط بين القول والفعل،
يمكن تلمّس ما يمكن تسميته «المنهج الترامبي»، وهو منهج لا ينبغي الاستخفاف
به، لأنه لا يقتصر على الخطاب، بل يتجسد في الميدان، بينما ما يزال العالم
يتخبط في نتائجه وتداعياته، وهذا ما يؤكد أن هذه التناقضات، بما تحمله من
غموض، ليست مجرد سلوك عابر، بل جزء من خطة لإرباك الجميع خصوماً وحلفاء.
ــ الغد