رمزي الغزوي : الضجيج الذي يأكلنا باسم الآخرين
يبدو المشهد المزدحم بالتحليلات أشبه بغرفة تعج بالمرايا المكسورة، كل قطعة تعكس جزءا من الحقيقة وتدعي أنها الكل. الشاشات لا تنطفئ، والمنصات تصخب، والأصوات تتعالى لتطغى على أي معنى ممكن للاتزان. هناك من يلوح باسم أمريكا، وكأنها قدر لا يرد، وهناك من يتكئ على إيران كأنها الخلاص المؤجل، وبين هذا وذاك يضيع الصوت الذي يفترض أن يكون لنا، نحن الذين تجري المعركة على أرضهم وتحت سمائنا وفوق قلوبنا.
الأمر لا يتعلق بوجهات نظر متباينة بقدر ما يتعلق بحالة انجراف جماعي نحو اصطفافات جاهزة، حيث يتحول الرأي إلى بطاقة انتماء، ويغدو النقاش إعادة إنتاج لما تقوله الأطراف المتحاربة ولكن بلغتنا نحن. من يتحدث يظن أنه يمارس وعيا سياسيا، بينما هو في كثير من الأحيان يردد صدى بعيدا لقرارات لم يشارك في صنعها، ولا يملك حتى حق تعديلها. الكلمات تتأنق، والمصطلحات تتكاثر، والنتيجة واحدة: ضجيج كثيف لا يفتح بابا واحدا للفهم الحقيقي.
تقف في بؤرة هذا المشهد المصالح ببرودها المعهود، لا تنفعل ولا تتردد ولا تلتفت إلى كل هذا الاحتدام العاطفي. أمريكا تتحرك وفق حساباتها الصلبة، ترى المنطقة من زاوية النفوذ والأرقام وصفقات القوة، وتتعامل معها باعتبارها رقعة شطرنج لا أكثر. وإيران، من جهتها، تمضي في الطريق ذاته بروح مختلفة وشعارات مغايرة، لكنها تصل إلى النتيجة نفسها: توسيع المجال الحيوي وترسيخ الحضور حيثما أمكن. كلاهما يتقن لغته جيدا، لغة لا مكان فيها للارتباك، ولا وزن فيها للانفعالات التي تستهلكنا.
وسط هذا كله، ننشغل نحن بمعارك جانبية تستنزف وعينا وتبدد طاقتنا. يتحول الاختلاف إلى خصومة، والخصومة إلى تخوين، حتى باتت المسافة بين رأيين كفيلة بإشعال حرب كلامية لا تقل شراسة عن الصراع ذاته. ننسى بسهولة أن هذا الانقسام الحاد لا يخدم إلا تلك القوى التي تجيد الاستثمار في تشتتنا، وتعرف كيف تحول انفعالاتنا إلى أدوات إضافية في معركتها.
الإعلام، الذي كان يفترض أن يكون بوصلة، صار في كثير من الأحيان جزءا من العاصفة. يضخم، ينتقي، يعيد ترتيب الوقائع بما يتلاءم مع خطه، فيخرج المتلقي محملا بنسخ متعددة من الحقيقة، لا يعرف أيها أقرب إلى الواقع. ومع تكرار هذا المشهد، يفقد الإنسان ثقته تدريجيا، ليس بالإعلام فقط، بل بقدرته على الفهم نفسه، فيستسلم لأقرب رواية تشبه مزاجه، لا عقله.
بالمجمل نحن نعيد تشكيل وعينا على إيقاع لا نصنعه، ونتبنى لغة لا تنبع منا، ونسمح لخطابات الآخرين أن تحدد زوايا رؤيتنا. ومع كل جولة من هذا الصخب، نبتعد خطوة إضافية عن سؤالنا الحقيقي: كيف نحمي مصالحنا نحن، وكيف نعيد تعريف موقعنا في عالم لا يعترف إلا بمن يعرف ماذا يريد، وكيف يصل إليه.
حين نقترب من هذه الفكرة دون مواربة، تتكشف الصورة على نحو مختلف تماما. لا يعود مهما من نؤيد في هذا الصراع، بقدر ما يصبح مهما أن نخرج من دور المتفرج المنفعل إلى موقع الفاعل الواعي. أن ندرك أن المصالح ليست تهمة أخلاقية، وإنما أداة بقاء، وأن من لا يمتلكها بوضوح سيظل مادة سهلة لمصالح الآخرين، مهما رفع من شعارات ومهما اشتد صوته في الساحات.