الأخبار

اسماعيل الشريف : الحرمان الجغرافي

اسماعيل الشريف : الحرمان الجغرافي
أخبارنا :  

رسّخت مناطق أمنية عميقة خارج حدود الدولة في غزة وسوريا ولبنان- نتن ياهو.

قبل طوفان الأقصى، ارتكزت استراتيجية الكيان في شمال فلسطين المحتلة على سياسة الاحتواء؛ إذ يملك حزب الله ترسانةً صاروخيةً هائلة، في مقابل فائض القوة لدى الكيان، ما أفضى إلى حالة من الردع المتبادل. غير أنّ طوفان الأقصى شكّل نقطة تحوّل حاسمة؛ فقد تلقّى الكيان ضربةً غير مسبوقة على يد حماس، فتداعى مفهوم الردع وسقط معه وهم الأمان، لتنقلب عقيدته من الاحتواء إلى الهجوم، بعدما أيقن أن حزب الله، شأنه شأن حماس، يمتلك القدرة على المبادرة بالهجوم.

باتت هذه العقيدة تقوم على رفض وجود أي قوة مسلّحة على حدوده، لا تحت مظلة الردع، ولا عبر الدبلوماسية، ولا حتى في ظل اتفاقيات السلام.

بدأ تنفيذ هذه العقيدة في غزة، حيث أُحكمت السيطرة على مساحاتٍ جديدة من الأرض، ثم امتد تطبيقها إلى لبنان تحت مسمّى «الحرمان الجغرافي»، وهي سياسة لا تكتفي بإبعاد حزب الله، بل تمتد لتدمير البنية التحتية ومحو القرى، وصولًا إلى تثبيت السيطرة على الأرض والاحتفاظ بها.

لا يُخفي مجرم الحرب نتن ياهو ووزير دفاعه كاتس ملامح هذه العقيدة، بل يعلنانها صراحة؛ إذ أصدر نتن ياهو أوامره بتوسيع انتشار الجيش وتكريس منطقة عازلة تمتد حتى نهر الليطاني، بالتوازي مع توغّل القوات في الأراضي السورية واحتلال أجزاء من جبل الشيخ، فيما تؤكد تصريحات وزير دفاعه الاتجاه نفسه من خلال الحديث عن السيطرة على الجسور وتسريع هدم المنازل في قرى خط المواجهة.

وما تشهده هذه الحرب مع حزب الله لا يمتّ بصلة إلى حرب 2006؛ ففي حين اكتفى الكيان آنذاك بالقصف الجوي، نجده اليوم يعود إلى خيار الاحتلال المباشر، مستهدفًا استعادة أراضٍ كان قد أُجبر على الانسحاب منها عام 2000. وفي الوقت ذاته، يستثمر انشغاله بحربه على إيران لتمرير أجنداتٍ موازية، فيوسّع المستوطنات في الضفة الغربية، ويفرض الإغلاق على المسجد الأقصى، ويمضي في احتلال مزيدٍ من الأراضي، في سياق إعادة رسم حدوده تحت ذرائع حماية الأمن وتوسيع المناطق العازلة، بحيث يتحوّل هذا التمدّد، مع مرور الوقت، إلى واقعٍ مفروض لا رجعة عنه.

وقد خلّفت هذه السياسات آثارًا كارثية؛ إذ تجاوز عدد النازحين في غزة مليونًا وتسعمائة ألف، وتعرّض نحو 60 % من مساحة القطاع للدمار، فيما سقط أكثر من ألف شهيد في لبنان، وتلاشت قرى بأكملها من الوجود.

مع ذلك، تثبت تجارب لبنان أن الاحتلال، مهما بدا راسخًا، يظلّ مكلفًا وغير دائم، لا سيما في ظل اقتصاد عالمي يتجه نحو أزمة، ودعم أمريكي آخذ في التراجع.

قد يحقق الكيان مكاسب تكتيكية محدودة، غير أنّ هذه السياسات تدفع المنطقة إلى دوّامات متجددة من الصراع، وتُعيد إنتاج بيئةٍ خصبة لمقاوماتٍ جديدة، كما تعمّق عزلته حتى عن أقرب حلفائه؛ وهو ما يصفه أحد أبرز الكتّاب والمحللين الاستراتيجيين في العالم، البريطاني جدعون راخمان، بأنه «كارثة استراتيجية». ــ الدستور

مواضيع قد تهمك