حسني عايش : مركز التحكم الفكري في الفرد والمجتمع
يولد الطفل في الأسرة، وهو لا يملك حرية الاختيار، لأن وعيه غير مكتمل، فتشرِّبه الأسرة دينها ومذهبها وعاداتها وتقاليدها وأعرافها... الاجتماعية بالتدريج. ثم (أو قد) يتكرس ذلك في المدرسة والجامعة والمجتمع. وبه تتشكل شخصيته عقلاً وفكراً وسلوكاً.
أي أن الواحد منا قد يستمر على ما نشأ وتربى عليه وتعلمه، وتفاعل معه. وقد
يختار طريقاً آخر. إن النتيجة تختلف باختلاف الفروق في النشأة والتربية
والتعليم والتفاعل أي في المقدمات. كما تختلف من عصر إلى آخر ومن مجتمع إلى
آخر. وبه يمكن أن تفسّر الثقافات أو الحضارات والحروب والسلام.
وحسب هذه التنشئة والتربية والتعليم والتفاعل يتكون مركز التحكم الفكري
(Locus of Control) في الفرد والمجتمع. فقد يكون خارجياً، أو داخلياً،
بمعنى المرجع في السلوك والقرار.
عندما يكون مركز التحكم في الفرد أو المجتمع خارجياً، فإن ذلك يعني أن
معتقداته.. التي نشأ عليها وتعلّمها هي التي تتحكم في قراره وسلوكه. إنها
خارجية لأنه لم يخترها، ولم يصنعها أو يبتكرها. لقد وصلته بالوراثة من جيل
إلى جيل. ولكن معظم الأفراد والناس يظنون أن مركز التحكم فيهم داخلي.
أما عندما يكون مركز التحكم داخلياً، فإن ذلك يعني أن صاحبه اختار بحرية الفكر أو المعتقد.. وإليهما يرجع في القرار والسلوك.
لقد ظل مركز التحكم الخارجي في الإنسان هو القاعدة طيلة التاريخ. وكان كلما
حاول فرد أو جماعة الخروج على القاعدة يعاقب أو تعاقب. ويحدثنا التاريخ عن
إعدام الفيلسوف سقراط بالسُّم بتهمة التجديف على آلهة أثينا وإفساد عقول
الشباب في القرن الخامس قبل الميلاد.
وتبدو قوة التحكم الخارجي بارزة بالأديان، وبخاصة السماوية. لقد صُلب
المسيح – له المجد – لأنه خالف التقاليد اليهودية. كما قتل آلاف المسيحيين
الأوائل على يد الأمبراطورية الرومانية في القرون المسيحية الأولى، لأنهم
يهددون مركز التحكم السائد فيها.
وفي الإسلام اشتدت المقاومة ضد الرسالة في مكة، وأجبرت الرسول على الهجرة
إلى المدينة ووقعت أكثر من حرب بين مركز التحكم الخارجي الوثني ومركز
التحكم الخارجي الجديد أو البديل. كما شن الخليفة أبو بكر – رضي الله عنه –
حرباً شاملة ضد المرتدين لأنهم حاولوا العودة إلى مركز التحكم السابق.
أما في العصور الوسطى الأوروبية، وبعد أن حلّت المسيحية/الكنيسة محل
الأديان السابقة في التحكم الخارجي هناك، فقد كان حرق المهرطقين وكتبهم هو
الحل. لقد احتاجت الكنيسة إلى 350 سنة لتعتذر لجاليليو الذي حوكم وبرئ بعد
تراجعه في المحكمة عن فكرة دوران الأرض حول الشمس، وبعكس ما تؤمن به
الكنيسة، لكنه دقّ الأرض بقدمه عندما خرج من المحكمة قائلاً: ولكنها تدور
حول الشمس.
لكن أوروبا تغيرت كلياً بعد جاليليو فقد ثارت على الكنيسة (الثورة الفرنسية
1789 ) في محاولة منها نقل مركز التحكم في الإنسان من الخارج – من الكنيسة
- إلى الداخل أي إلى العقل الحرّ، فسمي عصر التنوير بعصر العقل. يشكل هذا
الانتقال - في نظري- أبرز انتقال أو نقله فكرية في التاريخ.
لكن الأمر في أميركا مختلف، فمركز التحكم في أكثر من نصفها من السكان
خارجي، تملأه الأبراج والأشباح والأطباق الطائرة والخرافات والخزعبلات
ونظريات المؤامرة.
وفي موازاة ذلك أي في بلاد المسلمين: العربية وغير العربية، سار التاريخ
بالعكس، فقد قوي التحكم الديني (الخارجي) في الفرد والمجتمع بتأثير الأخوان
المسلمين، وبخاصة بكتاب سيد قطب: جاهلية القرن العشرين، وما تبعه من نوعه
من الكتب، فسميّ العصر بعد ذلك بعصر الصحوة الإسلامية، فاغتيل القاضي
الذهبي، وفرج فودة، وناهض حتر، وقتلت آلاف مؤلفة من المكفرين المسلمين وغير
المسلمين على يد «طالبان والقاعدة وداعش» التي تواصل القتل حتى الآن. كما
ما يزال نفر من المجتمع العربي كبير يخضع لقاعدة الثأر القبلية الخارجية.
في استبانة لبيو (Pew Forum) أجرتها سنة 2008، تبين أن 57% من الأميركيين،
و 30 % في كندا، و 22 % في بريطانيا، و17 % في فرنسا، و 10 % في السويد
(أي في الغرب)، و66 % في الهند، و 82 % في نيجيريا، و 84 % في تركيا،
و99 % في مصر من النوع الأول أي من الناس الخاضعين للتحكم الخارجي في
سلوكهم وقرارتهم: (Dominic Johnson, God is Watching you, 2015, P. 2015).
وأخيراً، تلكم مجرد مقالة، فأرجو أن لا يفهمني أحد خطأ، لأنني لم أقصد
إدانة أحد، لأن لكل طرف حقه فيما يعتقد ما دام يعبر عنه بسلام واحترام.