الأخبار

د. زيد حمزة : قرار تفعيل المجلس الصحي العالي: عودة إلى الحياة أم حلقة جديدة في مسلسل الِتهميش؟

د. زيد حمزة : قرار تفعيل المجلس الصحي العالي: عودة إلى الحياة أم حلقة جديدة في مسلسل الِتهميش؟
أخبارنا :  

عادت الحكومة مؤخرا عن قرار غير دستوري اتخذته حكومة سابقة قبل اربع سنوات قضى بتجميد المجلس الصحي العالي، المشكل بقانون او نظام (لا فرق) ولا يملك اي مسؤول إلا تطبيقه، فقد أعلنت الحكومة الحالية في ٥/ ١/ ٢٠٢٦ نيتها تفعيل هذا المجلس الذي تشير وثائق تاريخه إلى ان أول من طالب بتأسيسه في الأصل وقبل أكثر من ستين عاما هم مجموعةٌ من أطباء مجلس النقابة لعام ١٩٦٦- ١٩٦٨ بقيادة النقيب الدكتور وليد قمحاوي، انتبهوا إلى اختلال كان قد بدأ يتكرَس وقتها في القطاع الصحي العام في المملكة سوف يؤدي حتما إلى تشتته وتفرق جهوده، نتيجة غياب التنسيق بين الجهات المقدِّمة للخدمات العلاجيّة حسب تخطيط مركزي واحد، كما هو الحال في معظم دول العالم، فلكل منها حجم ودور ووظيفة واختصاص، من دون افتئات احداها على الأخرى بل تعاون وتنسيق بينها، وقد استمر هذا الاختلال واستشرى بعد فشل محاولات توحيد او ضم لأغراض انانية او بريئة جرت وراء الكواليس، وقد استجابت حكومة وصفي التل عام ١٩٦٧ لهذا المطلب النقابي وقررت أن يتولى المجلس المقترح مهمة جمع الأطراف ذات العلاقة، لصياغة وتنفيذ سياسة صحية وطنية موحّدة، وهو دور لم يتح له أن يلعبه كل الوقت بقوة وجدية، ربما لأن قراراته كانت استشارية وغير ملزمة حتى لأعضائه فكيف بسواهم!؟ إذ كان مجرد "هيئة" مستقلة اخرى أضيفت إلى عشرات الهيئات المستقلة مالياً وإداريا التي فرّختها المنظومة الإدارية في المملكة خلال العقود الماضية، وتحوّل مع الوقت إلى جهاز بيروقراطي آخر مثقل بعجزه لا يجتمع إلا احتفالياً بمقدم كل وزير صحة جديد ولا يلبث ان يتوارى منكمشا على نفسه.

بالنسبة لي، كوني عضواً في مجلس النقابة آنذاك وواحدا ممن ساهموا بحماسة في جهود تأسيس المجلس الصحي العالي، وشهدوا ولادته في العام ١٩٦٧، كتبتُ يومئذ مرحّباً به في العدد الثالث من "السماعة" ثم تابعتُه حثيثا بمقالاتي الصحفية لسنوات وسنوات، ومن ثم لإقالته من عثرته حتى لا أقول بإيقاظه من سباته حين اصبحت وزيرا للصحة ورئيسا له في ثمانينات القرن الماضي، فقد فرحتُ مؤخراً بخبر عزم الحكومة الحالية على تفعيله وكنت غافلاً حتى عن انه مجمّد! لكن عليّ أن أعترف أن فرحي جاء مشوبا بالحذر، لأن محاولة نفخ الروح فيه تكررت عدة مرات خلال سنوات عمره الستين، وفي كل مرة، كان يصطدم بمقاومة شرسة، لكن مستترة، من قبل اصحاب الأجندات الخاصة تعيده إلى الهامش..

للتذكير بتاريخنا الاداري الصحي لأكثر من مئة عام منذ إنشاء إمارة شرق الاردن، قامت تدريجيا وبصعوبة بالغة رغم شح الموارد والكفاءات أربعةُ قطاعات تقدم الخدمات الصحية، هي أولا، القطاع الحكومي الذي بدأ في عشرينات القرن الماضي كمديرية للصحة العامة بإدارة الدكتور حليم أبو رحمة معاراً من حكومة الانتداب البريطاني في فلسطين لعدة سنوات أبلى فيها بلاءً حسناً في مكافحة الاوبئة وعلى رأسها الملاريا وكانت متوطنة، وقد تطوّرت هذه المديرية ضمن وزارة الداخلية حتى استقلالها عنها لتصبح العام ١٩٥٠ وزارة الصحة الحالية، وحمل حقيبتها الاولى الدكتور جميل التوتنجي وتولت إنشاء العيادات الصحية المتواضعة وتطبيق برامج الصحة العامة، واصبحت دستوريا حسب قانونها المسؤولة عن جميع الشؤون الصحية في المملكة. ثانياً القطاع العسكري، ممثلا بالخدمات الطبية الملكية، التي تأسست عام ١٩٥٨ بحجم متواضع جداً لتنطلق بعد ذلك مع إقرار مشروع علاج عائلات العسكريين عام ١٩٦٣ في مرحلة جديدة من النمو المتسارع بدعم قوي من الملك الراحل الحسين. الجهة الثالثة هي القطاع الطبي الخاص، بمستشفياته كملحس ومعشر وفلسطين وعياداته الكثيرة التي حمل عبء بنائها وتطويرها بإصرارٍ وطموحٍ الروادُ من الاطباء الأردنيين في ظروف صعبة مالياً ولوجستيا. وأخيرا، قطاع الهيئات الدولية والإنسانية، ممثلة بوكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين، والمستشفيات التابعة للبعثات الدينية الأجنبية كالمستشفى الإيطالي.

لم تكن المشكلة يوما في تعدد القطاعات المقدمة للخدمة، بل في أنها كانت تكبر وتنمو، ولا سياسة جامعة تضبط أداءها، وتنظمه، بما يضمن أن تصبّ جهودها في تقديم خدمة صحية مثلى ممكنة، ضمن استخدام أمثل للموارد المحدودة.

لذلك وأكثر بقي (المجلس الصحي العالي) ضرورة ملحة طوال الوقت لوضع السياسة الصحية العامة في المملكة، وتحديد مسؤولية كل واحد من اطرافها عن تنفيذ هذه السياسة، وتنظيم العلاقة وتنسيق التعاون في ما بينها، إضافة إلى وضع السياسة العامة لدراسة العلوم الصحية والطبية، داخل المملكة وخارجها.

لكن السنوات مرت دون أن يبدو للمجلس أي تأثير واقعي على الأرض في وقت كان القطاع الصحي ينمو فيه بوتيرة متسارعة، والمشهد يتعقّد أكثر فأكثر، مثلاً بانضمام مقدّم جديد للخدمة، هو قطاع المستشفيات الجامعية، فعندما أسست وزارة الصحة عام ١٩٧١ مستشفى عمان الكبير، لتخفيف العبء عن مستشفى البشير، فقد أُلحق بالجامعة الأردنية دون عرض الأمر عليه! (وكذلك لاحقاً عند إنشاء مستشفى الملك عبد الله المؤسس في إربد أُلحق بجامعة العلوم والتكنولوجيا).

عندما استلمتُ حقيبة وزارة الصحة العام ١٩٨٥ لم يكن غريبا أن اشكل لجنة لتقييم إنجازات المجلس منذ انشائه خلال ثمانية عشر عاما، وجاءت النتيجة صادمة، إذ لم تكن هناك أيّ إنجازات! فمن نفس أرشيف المجلس الذي نصّ نظامه على انعقاده مرةً كل ثلاثة أشهر على الاقل، تبين أنه لم يعقد خلال كل تلك السنوات العديدة سوى تسعة اجتماعات! ولم يكن لقراراته أيّ أثر. وكشفت الدراسة كذلك عن بعض الاسباب التي أدّت إلى ذلك، منها أن رئاسته كانت مسندة لرئيس الوزراء، المثقل أولا بالأعباء، وليس لديه إلمام كافٍ بالقضايا موضوع النقاش كإلمام وزير الصحة، إضافة إلى أن المناقشات لم تكن، أمام الرئيس، تسير بحرية وصراحة؛ فكثير من الأعضاء الوزراء يلجؤون في حضرته "للـمسايرة"، إما لتجنّب الحرج، أو طمعا في مغنم. . وارتفاع عدد اعضاء المجلس يصعّب تحقيق النصاب القانوني، وبعضهم لا يرتبطون بعلاقة مباشرة بالقطاع الصحي فيضيّعون، دون قصد منهم، وقت الخبراء المتخصصين. اختلال آخر مهم جدّا، هو وجود جهات مشاركة في القطاع الصحي، كأنما تم التسليم مسبقا بتحريم الاقتراب منها، أو مناقشة المسؤولين عنها. ويضاف إلى ما سبق من تناقضات أن بعض النقابات المهنية الأعضاء في المجلس كانت تعرض مطالبها، وتسائل غيرها، لكنها ترفض بتشدد غير منطقي أن تتعرض هي للمساءلة بحجة أنها غير مفوّضة! واخيراً لأن المجلس كان استشاريّا، فإن قراراته لم تكن ملزمة!

لقد حاولنا وقتها معالجة هذه الاختلالات التي ظهرت في تقرير اللجنة، فتمّ العام ١٩٨٦ تغيير نظام المجلس بإسناد رئاسته إلى وزير الصحة بدل رئيس الوزراء الذي كان اول المرحبين بذلك، وباقتصار عضويته على من لهم علاقة مباشرة بالصحة وليس من الوزراء ذوي العلاقة الهامشية العارضة، والأهم أن قراراته صارت ملزمة، ومن ثم انطلق في العمل لتحقيق أهدافه، فبالنسبة لتنظيم تدريس المهن الطبية المساندة أنجز دراسة عن حاجة المملكة منها حتى العام ٢٠٠٠، لتنظيم تعليم هذه المهن في معاهد وزارة الصحة، وكليات المجتمع الخاصة. ونُفّذت بالفعل توصية بإيقاف تدريس تخصّصيْ مساعدي الصيادلة وفنيي المختبرات، اللذيْن كانت البطالة قد استشرت آنذاك في صفوف خريجيهما.

وأنجز المجلس عام ١٩٨٦ دراسة أخرى تتعلق بحاجة المملكة لتوسيع وتطوير خدمات معالجة السرطان، وكان النقاش وقتها يدور حول إنشاء مركز ضخم جديد بميزانية كبيرة لا تتحملها موازنة الدولة الا بالقروض فكشفت الدراسة أن المملكة لم تكن، في الحقيقة، بحاجة لإنفاق كل هذا المال بل يمكن بجزء منه فقط، سدّ الحاجة، بتطوير مركز علاج السرطان القائم فعلا في مستشفى البشير. وباشرت وزارة الصحة بتنفيذ تلك التوصية بحشد أفضل الاختصاصيين، وأحدث الأجهزة. وأثبتت تقارير أعدها خبراء من أربع دول متقدمة بعثت بهم لنا منظمة الصحة العالمية، أن بالإمكان فعلاً تطوير المركز وسدّ حاجة المملكة من هذه الخدمة إلى العام ٢٠٠٠، وطرح المجلس ايضاً عام ١٩٨٦ مشروع التأمين الصحي للعاملين في القطاع الخاص، ليكون صندوقا ثالثا، يضاف إلى صندوقي الحكومة والجيش. وهو مشروع أقرته وقتها مؤسسة الضمان الاجتماعي، لكنها لم تلتزم بتنفيذه.

كما قام المجلس ذلك العام بدوره في التنسيق بين القطاعات الصحية المختلفة لمنع ازدواجية تقديم الخدمات الصحية، فأصدر قراره بالاكتفاء بإنشاء مستشفى واحد في محافظة إربد، هو مستشفى الملك عبدالله المؤسس (وقد أشرنا له في السطور السابقة)، بدلا من ثلاثة مستشفيات كانت قد قررت إنشاءها في المحافظة، كل من وزارة الصحة والخدمات الطبية الملكية وجامعة العلوم والتكنولوجيا.

الذي حدث بعد ذلك، أنه في العام ١٩٨٧، أي بعد سنة واحدة فقط من استئناف جهود المجلس ودونما استشارته وتصادف ذلك ايضاً مع غياب البرلمان، أن أُنشئت بقانون مؤقت المؤسسةُ الطبية العلاجية، التي تولت وحدها مسؤولية المستشفيات العامة من مدنية وعسكرية وجامعية واصبحت وزارة الصحة لاول مرة في التاريخ دون باقي زميلاتها "حول العالم.. بلا مستشفيات! وتوارى المجلس الصحي في الظل، لكن المؤسسة الطبية نفسها فشلت على ارض الواقع فلم تصمد سوى ثلاث سنوات، إذ أَلغى قانونَها المجلسُ النيابي العائد لتوه لاحضان الديمقراطية عام ١٩٨٩، وبعد عشرة أعوام تقريبا صحا المجلس الصحي من سباته بقانون سيئ أحاله إلى فيل أبيض" جديد، تكوَّم في عمارة امامها سيارات، وتحوي مكاتب بموظفين وسكرتيرات وعلى رأسهم أمين عام، كجهاز بيروقراطي لا اعرف إذا كان هو نفسه الذي جمده الوزير السابق عام ٢٠٢١ وتنوي الحكومة الحالية اعادته الى الحياة، كذلك مجلس لا يرغب احد في استحضار روحه العاجزة بلا ضرورة او جدوى، وإلا فمن الافضل توفير جهودكم وأموال البلد!

والآن، فإن المتأمل بإنصاف يدرك التداعيات المريرة لتهميشه كل هذه الفترات الطويلة؛ ومع ذلك لا يمكن لأحد أن ينكر الخدمات الطبية العظيمة التي يقدّمها هذا البلد لمواطنيه (ولساكنيه احيانا)، إذ لا يوصد في القطاع الطبي العام باب طوارئ في وجه من لا يملك مالا او بطاقة تأمين، كما يحدث في القطاع الخاص! لكن لا يمكننا ايضا ان نتجاهل أن مشاكله كبيرة ويقع على رأسها هدر الموارد وسوء توزيعها، وازدواجية الخدمات الصحية، مقابل ضعف إمكانية الوصول إلى بعضها من قبل بعض الفئات المستضعفة، وضعف العلاقة العضوية بين مراكز الرعاية الصحية الاولية والشاملة وبين المستشفيات ما يؤدي لإنهاك الأخيرة (عالية الكلفة) بتقديم خدمات، كان من المفترض أن تقدمها تلك المراكز (منخفضة الكلفة ..جداً !).

ولو أمعنّا النظر في هذه المشاكل، لعرفنا أنها ليست مرتبطة بنقص الموارد، بل بسوء إدارتها حتى لا نقول الفساد في بعضها، فمتوسط إنفاق الأردن على قطاع الصحة أعلى من الدول التي تقع ضمن مجموعته الاقتصادية وبعضها اوروبية غنية. وسوء الإدارة، نتيجة ضعف التنسيق والتكامل بين اللاعبين الكبار في القطاع. وهو ما يعيق إمكانية إنجاز تخطيط على المستوى الوطني، يستند إلى الحاجات الحقيقية على الأرض. ما يعيدنا ستين عاما إلى الوراء، لنستذكر تلك المجموعة من الأطباء الذين استشعروا مبكرا خطر تشرذم القطاع الصحي، وجاهدوا لتأسيس المجلس العالي لينضوي تحته الجميع فلا يغضب او يحرد احد ولا يُمس لأي منهم استقلالٌ مزعوم غيرُ دستوري! ولا يبقى الوطن مفتوحاً على مصراعيه للطامعين من اصحاب المصالح في مسلسل خصخصة الصحة ضمن إرشادات البنك الدولي الذي يتوهم البعض انه تابع للأمم المتحدة وبديل لمنظمة الصحة العالمية!!

وبعد.. قد أفقد مع التقدم في العمر القدرة على متابعة الشؤون العامة بهدف إصلاحها، خاصةً الصحية منها، لكنني من أجل هذا الوطن الغالي لن أفقد الأمل في الآخرين كي يفيدوا من عِبَر التاريخ وأنا أبسّطها لهم بالكتابة الناقدة الناصحة، حتى لو بدت جارحة!.. ــ الراي

مواضيع قد تهمك