فارس الحباشنة : ما بعد حرب إيران
سوف تنتهي الحرب، وسوف تنشأ ما بعد الحرب وفي وقت لاحق من الحرب زلزال وموازين قوى أقليمية جديدة، وسوف يختلف اقليم الشرق الاوسط عما كان قبل الحرب.
السؤال الأهم، ونحن نتابع أخبار الحرب الاقليمية والحرب الامريكية والاسرائيلية على ايران، ما هو حجم تأثير الحرب على المتغير والانقلاب المرشح في بنية النظام الإقليمي والدولي؟
حرب الخليج الثالثة فرضت حقائق ومعطيات واضحة، وتنبىء بمستقبل النظام الدولي المتهالك والهش، كما أنها تبشر في انخفاض المدى المنظور للمركزية الامريكية.
من بعد الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة، وامريكا هي الأكبر في النظام العالمي، وبعد سقوط الاتحاد السوفيتي 1990 انفردت أمريكا بقيادة العالم.
الصين تتربص، وتراقب، ولها حسابات في الحرب الخليجية الثالثة، ولا يريدون التورط. ولكن الحرب في أبعادها الاستراتيجية تعني بكين كثيرا.
الروس المتورطون في حرب اوكرانيا، يراجعون بالحرب الخليجية الثالثة حساباتهم في الاقليم والعالم، ويوظفون أي مسار او مسرب او ثغرة في صراعات وحروب امريكا؛ لكي يتسللوا ويستعيدوا ما كان لهم أيام الاتحاد السوفييتي.
النظام الاقليمي منهار، والحرب الخليجية الثالثة تؤسس الى نظام اقليمي جديد مختلف جذريا.
هزيمة ايران تعني، انكشاف الاقليم أمام القوة الاسرائيلية، ومشروعها: الاستراتيجي والعقائدي « التوراتي « في الإقليم.
شرق اوسط اسرائيلي يعني فوضى ونيران حروب الطوائف والاعراق سوف تهب على دول الاقليم.
والزمن الاسرائيلي في الشرق الاوسط يعني بلغة الجيوسياسية التوراتية تفكيك وإضعاف وإفشال دول الإقليم.
نتنياهو، قال ان القوة أفضل من المحبة والتسامح. وأن المسيح ليس له أفضلية على جنكيز خان. وهذا الاقتباس قاله نتنياهو في خطاب، واثار حفيظة اليمين المسيحي.
وطبعا، نتنياهو أراد بث رسالة واشارة تؤكد على الخلفية الفكرية والدينية التي تحكم قرارات اورشليم.
أنها هستيريا اسرائيلية، وكيف يتصورون اللحظة الاقليمية الراهنة والحرب على إيران، وإسرائيل كما قال نتنياهو توشك أن تصبح دولة عظمى، وشريكة لامريكا في قيادة العالم.
ما يواجه أحلام واساطير نتنياهو واقع الصراع والمعركة المحتدمة والناشبة مع إيران. وبعد 6 اسابيع من الحرب، ماذا حققت امريكا واسرائيل من اهدافها المعلنة في إيران؟
اغتيال المرشد الاعلى للثورة الاسلامية علي خامئني لم يكن حاسما لإسقاط النظام.
بل، ان النظام في طهران أعاد إنتاج نفسه وبنية النظام السياسي الايراني شديدة التعقيد ومؤسساتية، ومن الصعب أن تختزل القيادة باشخاص، وهناك شرعية سياسية ورمزية تولدت عبر عقود ما بعد الثورة من صراع وحروب وعقوبات وحصار.
واغتيال المرشد الاعلى تحول من فقد ورحيل الى تعبئة قومية ايرانية، ومهد لإعادة تعريف الذات الوطنية بالوظيفة والمعنى.
في امريكا بدأ الضجر يضرب الرأي العام، والحديث يتعالى عن حرب غير قانونية وغير مبررة، واستقالات لقيادات عسكرية وازنة في صناعة قرار الحرب.
وحتى سردية ترامب حول الحرب الايرانية بدأت تواجه بتشكيك وعدم ثقة من الرأي العام الامريكي.
وحركة «ماجا « الداعم الاكبر لترامب في حملاته الانتخابية الرئاسية الاخيرة بدأت تسجل اعتراضا على الحرب ودوافعها، وماذا بعد. وتشكك في حرب ايران، وكيف يمكن أن تجعل من أمريكا عظيمة مرة أخرى؟
وأنها تعرضت لخديعة انتخابية، ووعود لم يلتزم ترامب في تطبيقها في ادارة البيت الابيض، وأن لا يدخل حربا خارج امريكا.
الضربة القاصمة جاءت من اغلاق مضيق هرمز وأزمة الطاقة.
وكيف أثرت الحرب على حركة التجارة والملاحة العالمية، والمغامرة العسكرية أدت الى اغلاق مضيق هرمز ودخول العالم في أزمتي اقتصاد وطاقة.
امريكا تبحث عن مخرج سياسي من الحرب، والوساطة الباكستانية والتركية والمصرية، ولمنع ايران من التصعيد العسكري في مواجهة تهديد وجودها ومصيرها.
ما يلاحظ في الخطاب السياسي الايراني والامريكي انعدام الثقة.. إيران تكرر على لسان قياداتها السياسية أنها تبحث عن تسوية سياسية ووقف اطلاق للنار لا يسمح بعودة العدوان والحرب مرة أخرى.
إيران لا تثق في ترامب. ومرتان نكث ترامب في اتفاقات مسار التفاوض حول النووي الايراني، وليس هناك ما يمنع ترامب من تكرار السيناريو ذاته. امس، الأحد هدد ترامب بالضربة القاضية، وسمى الثلاثاء بيوم محطات المحروقات والجسور، وأنذر ايران بالجحيم والعودة الى العصر الحجري.
حسابات السياسة والتفاوض والحرب يبدو أنها متباعدة. فترامب وضع 15 بندا وشرطا على إيران لوقف إطلاق النار، وما اعتبر بمثابة إعلان استسلام، وجاء الرد الإيراني بمطالب مضادة من خمسة بنود على وثيقة الاستسلام.
ما يواجه الوسطاء صعب ومعقد، ويصعب تذليله دونما أن تغير امريكا من لغتها أزاء ايران.
ترامب، قد يعلن وقف اطلاق النار من طرف واحد، ويعلن النصر على إيران وبخسائر محدودة، دون فتح مضيق هرمز.
ولا يمكن استبعاد خوض امريكا لحرب برية، واللجوء الى عمليات عسكرية متشددة في ايران.
إيران تريد حماية وجودها وحماية مشروعها الصاروخي الباليستي، ودورها الاقليمي، والحق في تخصيب اليورانيوم، ورفع العقوبات والتعويض عن خسائر الحرب والبنى التحتية، وضمان عدم تعرضها الى عدوان مجددا.
الحرب ليست كما تخيل نتنياهو ولا الفريق الداعم في الادارة الامريكية لسيناريو الحرب على إيران.
وقف اطلاق النار وبحث ترامب عن صفقة لبياض الوجه أمام الرأي العام الامريكي وحلفائه الاوروبيين والعالم.
نتنياهو يواجه اختبارا للقوة في الجنوب اللبناني، ويهدف الى توسيع منطقة العزل الامني بين لبنان وفلسطين المحتلة.
واسرائيل تخوض حرب تغول من لبنان والجنوب السوري الى الضفة الغربية وغزة والعراق.. وحتى الاردن ومصر والسعودية لم تسلم من تهديدات نتنياهو واليمين الاسرائيلي.
الموضوع ليس ايران فحسب، بل ان الاقليم مقبل على زلزال جيوسياسي، ومستقبل النظام العالمي سيبدأ من الشرق الاوسط.