د. ميشلين ظاهر نويصر : المرأة.. شريك أساسي في نمو الاقتصاد الوطني
لطالما كانت المرأة الأردنية عنصرًا حيويًا في المجتمع، لكن في السنوات الأخيرة أصبح من الواضح أن حضورها في الحياة الاقتصادية يشكل دعامة أساسية لنمو الاقتصاد الوطني. ، وأن نجاح أي مجتمع لا يقاس فقط بالاستثمارات أو المشاريع الكبرى بل بمدى قدرة نصفه الأساسي (النساء) على المشاركة الفاعلة في صنع القرار الاقتصادي وخلق فرص العمل والمساهمة في الناتج المحلي. مشاركة المرأة الأردنية في سوق العمل ليست مجرد رقم يضاف للإحصاءات، بل هي قوة حقيقية تؤثر على الأسرة والمجتمع والاقتصاد بشكل متكامل، عندما تعمل المرأة تتحسن قدرة الأسرة على تلبية احتياجاتها، ويزداد الاستهلاك المحلي، وهذا بدوره يحرك عجلة الأسواق ويخلق فرصًا جديدة، لا سيما في القطاعات الصغيرة والمتوسطة، التي تمثل العمود الفقري للاقتصاد الأردني.
ولا يقتصر دور المرأة على العمل التقليدي، بل يتجاوز ذلك ليشمل الإسهام في تطوير بيئة العمل نفسها من خلال إدخال أفكار جديدة وأساليب حديثة في الإدارة والإنتاج، هذا التنوع في التفكير يعزز الابتكار ويزيد من قدرة المؤسسات على التكيف مع التغيرات الاقتصادية وهو أمر بالغ الأهمية في ظل التحديات العالمية المتسارعة.
ريادة الأعمال النسائية أصبحت أيضًا علامة فارقة في المشهد الاقتصادي حيث ان العديد من النساء استطعن تحويل أفكارهن ومهاراتهن إلى مشاريع ناجحة سواء في التكنولوجيا، الحرف اليدوية، الصناعات الغذائية، أو تقديم خدمات مبتكرة تلبي احتياجات المجتمع. ما يلفت انتباهي هنا هو الشجاعة والإصرار اللذان تتحلى بهما النساء الأردنيات، ففي ظل التحديات الاجتماعية والاقتصادية ينجحن في إحداث تأثير ملموس، هذه المشاريع لا تقتصر على منفعة صاحباتها فقط، بل تخلق فرص عمل للشباب وتساهم في تنشيط الاقتصاد المحلي وتجعل بيئة ريادة الأعمال أكثر تنوعًا وحيوية، كما أن انتشار المشاريع المنزلية والمنصات الرقمية ساهم في فتح آفاق جديدة أمام النساء خصوصًا في المناطق التي تقل فيها فرص العمل التقليدية مما يعزز من مفهوم الاقتصاد المحلي المستدام.
أما فيما يتعلق بالتمكين من خلال التعليم والتدريب فلا شك أن الاستثمار في تعليم المرأة هو استثمار طويل الأمد في الاقتصاد الأردني. المرأة المتعلمة والقادرة على القيادة والإدارة تضيف قيمة كبيرة فهي أكثر قدرة على التفكير الإبداعي، وتحسين جودة الإنتاج والخدمات والمساهمة في رفع إنتاجية المجتمع ككل. من تجربتي وملاحظتي، المرأة التي تتاح لها الفرصة لتطوير مهاراتها تصبح مصدر إلهام لأفراد أسرتها وللمجتمع وهذا يخلق تأثيرًا مضاعفًا على التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الوقت ذاته، كما أن تعزيز التدريب المهني والتقني للنساء يفتح مجالات جديدة غير تقليدية، ويزيد من تنوع القوى العاملة، ويمنح الاقتصاد مرونة أكبر في مواجهة التحديات.
ومع ذلك، من المهم الاعتراف أن الطريق أمام المرأة الأردنية لا يزال مليئًا بالتحديات، حيث أن هناك فجوة في الأجور بين الجنسين، وصعوبة في الوصول إلى التمويل وأحيانًا قيود اجتماعية تحد من قدرتها على التقدم، لكنني أرى أن هذه التحديات ليست عائقًا دائمًا بل فرصة للدولة والمجتمع المدني لإطلاق برامج دعم أكثر فاعلية وتمويل ميسر للمشاريع النسائية وتسهيل التوازن بين العمل والأسرة، كما أن نشر الوعي بأهمية دور المرأة الاقتصادي يسهم في تغيير بعض المفاهيم التقليدية التي قد تعيق تقدمها ويشجع المجتمع على احتضان هذا الدور بدلًا من تقييده.
إن دعم المرأة اقتصاديًا ليس رفاهية أو خيارًا ثانويًا بل هو ضرورة استراتيجية لكل مجتمع يريد أن يحقق نموًا مستدامًا وشاملاً. المرأة الأردنية بقدرتها على العمل والإبداع وإدارة المشاريع تخلق فرص عمل، تزيد من الاستهلاك المحلي، وتدعم الاقتصاد الوطني بشكل مباشر وغير مباشر. كل مشروع صغير تشرف عليه امرأة، كل وظيفة تشغلها، وكل قرار اقتصادي تتخذه، يضيف جزءًا من القوة إلى الاقتصاد الأردني وبالتالي، الاستثمار في المرأة هو استثمار في مستقبل الأردن، وهو خطوة ذكية نحو مجتمع متوازن ومزدهر، قائم على تكافؤ الفرص واستثمار الطاقات البشرية بأفضل صورة ممكنة، بما يضمن تحقيق تنمية شاملة تعود بالنفع على الجميع.