الأخبار

د. دانيلا عدنان القرعان : لقاء الملك.. يخضع لشروط أردنية قاسية

د. دانيلا عدنان القرعان :  لقاء الملك.. يخضع لشروط أردنية قاسية
أخبارنا :  

ما نُشر عن رفض جلالة الملك عبدالله الثاني لقاء نتنياهو لا يمكن قراءته بوصفه موقفاً بروتوكولياً عابراً، بل باعتباره إشارة سياسية محمّلة بالدلالات حتى وإن لم يصدر الخبر بصيغة بيان رسمي مباشر، ففي عالم السياسة كثيراً ما يكون اللقاء بحد ذاته أوراقا تفاوض وليس مجرد مجاملة دبلوماسية، وعندما يتم ربطه بشروط فإن الرسالة لا تكون رفضاً بقدر ما هي إعادة تعريف لقواعد العلاقة.

حافظ الأردن لعقود على سياسة ضبط النفس والتوازن الدقيق في علاقته مع إسرائيل حفاظاً على مصلحة أردنية وفلسطينية، لكنه يبدو اليوم كأنه يرفع سقف هذا التوازن لا ليكسره، بل ليعيد ضبطه بما يتناسب مع لحظات إقليمية شديدة الحساسية، فعدم عقد اللقاء في ظل غياب الضمانات السياسية والإنسانية ليست انسحاباً من المشهد بل الحضور الأكثر صلابة، إذ يبعث به رسالة مفادها أن التواصل السياسي مع الكيان لم يعد ممكناً دون مقابل حقيقي على الأرض، سواء في ما يتعلق بوقف التصعيد أو حماية الوضع القائم في القدس، أو إدخال المساعدات الإنسانية، أو فتح أفق سياسي واضح.

هذا الموقف، في جوهره، يسحب من إسرائيل واحدة من أهم أدواتها في مخاطبة العالم، وهي الإيحاء باستمرار علاقات طبيعية مع محيطها العربي، وحين يتريث الأردن، وهو من أكثر الدول ارتباطاً بالملف الفلسطيني والأكثر احتكاكاً به جغرافياً وسياسياً، فإن ذلك يضعف السردية التي تحاول تصوير الواقع وكأنه قابل للاستمرار دون كلفة سياسية، كما أن هذا التريث، يمنح الأردن مساحة أوسع للتحرك ضمن الإطار الدولي، حيث تتحول رسالته إلى ضغط غير مباشر على القوى الكبرى، مفاده أن الاستقرار الإقليمي لا يمكن عزله عن المسار السياسي والإنساني للقضية الفلسطينية، أما في الداخل الأردني فلا يمكن فصل هذا السلوك عن حساسية الشارع تجاه ما يجري، حيث يشكل أي انفتاح غير مشروط على الحكومة الإسرائيلية عبئاً سياسياً بل وربما مصدر توتر، من هنا، يصبح ربط اللقاء بشروط واضحة نوعاً من المواءمة بين مقتضيات السياسة الخارجية ومتطلبات الاستقرار الداخلي؛ ما يعزز صورة الدولة القادرة على حماية مصالحها دون أن تنفصل عن وجدان مجتمعها.

أما في ميزان القوة، فإن ما يجري يعكس استخداماً ذكياً لأدوات غير تقليدية، فالأردن لا يلوّح بالتصعيد، ولا يذهب نحو القطيعة، لكن في المقابل لا يمنح شرعية سياسية مجانية بل يحوّل اللقاء نفسه إلى ورقة ضغط، تُمنح أو تُحجب وفقًا لسلوك الطرف الآخر، وهذه مقاربة تعكس خبرة طويلة في إدارة الأزمات، حيث لا تكون القوة دائماً في الفعل المباشر بل في القدرة على ضبط الإيقاع وفرض الشروط.

في المحصلة، لا يبدو أن ما حدث هو رفض فحسب، بقدر ما هو إعلان غير مباشر بأن قواعد اللعبة قد تغيّرت، وأن العلاقة، وإن استمرت، لن تبقى كما كانت، إنها لحظة إعادة تموضع، يختبر فيها كل طرف حدود الآخر، فيما يثبت الأردن أنه لا يزال قادراً على التأثير، ليس عبر الضجيج، بل عبر حسابات دقيقة تجعل من كل خطوة سياسية رسالة بحد ذاتها.

مواضيع قد تهمك