د. محمد الحدب : أرباح الشركات تؤكد: الاقتصاد الأردني يثبت متانته
في الاقتصاد، لا تكذب الأرقام، وأرباح الشركات تبقى المؤشر الأكثر صدقاً لقياس صحة الاقتصاد، بعيداً عن الانطباعات أو الضجيج الذي يرافق الأزمات.
الأرقام الصادرة عن الشركات المدرجة في بورصة عمان لعام ٢٠٢٥ تحمل رسالة واضحة: الاقتصاد الأردني يعمل، وينمو، ويحقق نتائج ملموسة، رغم بيئة إقليمية معقدة وتحديات غير مسبوقة.
فقد بلغت أرباح الشركات بعد الضريبة نحو ٢.٣٤٨ مليار دينار، مقارنة مع ٢.٠٨ مليار دينار في عام ٢٠٢٤، بنسبة نمو بلغت ١٢.٩%، لتسجل بذلك ثاني أعلى أرباح تاريخية للشركات المدرجة، وهو ما يعكس أداءً فعلياً في قطاعات حيوية تشكل العمود الفقري للاقتصاد الوطني.
والأهم أن هذا النمو لم يكن محدوداً بقطاع واحد، بل جاء شاملاً، حيث ارتفعت أرباح القطاع الصناعي بنسبة ١٨.٤%، وقطاع الخدمات بنسبة ١١.٤%، والقطاع المالي بنسبة ١٠.١%، ما يدل على أن النمو متوازن ويستند إلى قاعدة اقتصادية حقيقية، مدفوعة بتحسن الكفاءة التشغيلية وتوسع بعض الأنشطة الإنتاجية.
هذه النتائج تتقاطع مع مؤشرات الاقتصاد الكلي، حيث سجل الاقتصاد الوطني نمواً بلغ نحو ٣% في الربع الأخير من عام ٢٠٢٥، إلى جانب ارتفاع الصادرات الوطنية بنسبة ٩.٩%، والاستثمار الأجنبي المباشر بنسبة ٢٥.١%، والدخل السياحي بنسبة ٧.٦%، وهي جميعها مؤشرات تعكس تحسناً فعلياً في النشاط الاقتصادي.
وفي المقابل، تعكس نسبة التزام الشركات بالإفصاح، التي بلغت ٩٦%، مستوى عالياً من الحوكمة والشفافية، وهو عامل أساسي في تعزيز ثقة المستثمرين واستقرار السوق المالي.
ورغم استمرار بعض التحديات الاقتصادية، مثل معدلات البطالة وارتفاع المديونية، فإن هذه النتائج تعكس قدرة الاقتصاد الأردني على تحقيق النمو حتى في البيئات الضاغطة، وهو ما يميز الاقتصادات المرنة عن غيرها.
ولا يمكن قراءة هذه النتائج بمعزل عن السياسات الاقتصادية التي تم تبنيها ضمن رؤية التحديث الاقتصادي، والتي ركزت على تحفيز القطاعات الإنتاجية، وتحسين بيئة الاستثمار، وتعزيز الاستقرار المالي والنقدي.
ففي الاقتصاد، يبقى أداء القطاع الخاص هو المعيار الحقيقي للحكم على نجاح السياسات، وليس الخطط أو التصريحات، وما تحققه الشركات اليوم من أرباح هو انعكاس مباشر لقدرة الاقتصاد على خلق قيمة مضافة حقيقية.
كما أن تحقيق هذه النتائج في ظل بيئة إقليمية معقدة يعزز من مصداقية النهج الاقتصادي المتبع، ويدعم الثقة بقدرة الاقتصاد الوطني على الاستمرار في تحقيق النمو.
ولا يمكن فصل هذه المنجزات عن البيئة الاقتصادية التي تم بناؤها بدعم من القيادة الهاشمية بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني، الذي رسّخ نهجاً يقوم على التوازن بين الاستقرار السياسي والاقتصادي، وتعزيز الشراكات الإقليمية والدولية، بما انعكس إيجاباً على ثقة المستثمرين ومتانة الاقتصاد الوطني.
الخلاصة، حين ترتفع أرباح الشركات في زمن الأزمات، فإن ذلك لا يعكس فقط أداءً مالياً جيداً، بل يكشف عن اقتصاد يمتلك القدرة على الصمود، والاستمرار، والتقدم بثقة.