فراس النعسان : أنا أتكلّم عن الأردن
لم يكن أحد في الأردن يتخيّل أن الأخبار التي كنا نتابعها لسنوات بوصفها أحداثاً بعيدة ستقترب إلى هذا الحد من حياتنا اليومية. فجأة، صار الناس يستيقظون على نشرات عاجلة، ويتبادلون القلق قبل التحية، ويتابعون السماء أكثر مما يتابعون شاشات هواتفهم. لم تكن الحرب التي اندلعت في الإقليم، ضمن المواجهة الكبرى التي اشتعلت بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، مجرد صراع سياسي بعيد، بل لحظة شعورية ثقيلة دفعت الأردنيين إلى سؤال بسيط وعميق في آن واحد: من نحن عندما تضيق المنطقة من حولنا؟
في تلك الأيام، لم يظهر الأردن كدولة تراقب فقط، بل كمجتمع يُختبر. ظهرت ملامح التضامن سريعاً، فالناس يطمئنون على بعضهم، ولغة الخوف تتحول إلى لغة مسؤولية، وشعور خفي بأن الاستقرار الذي اعتدناه ليس أمراً بديهياً بل نعمة تحتاج إلى وعي جماعي لحمايتها. كان واضحاً أن الغالبية اختارت التماسك، وأن فكرة الوطن عادت لتتقدم على كل التفاصيل الصغيرة التي كانت تشغل النقاشات اليومية.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن الأزمة كشفت أيضاً جانباً آخر. فبينما توحد كثيرون حول فكرة حماية الجبهة الداخلية، ظهرت أصوات حاولت أن تنقل صراعات الخارج إلى الداخل، وأن تعيد فتح أسئلة الهوية والانتماء بطريقة حادة. بعض الانقسام لم يكن نتيجة اختلاف حقيقي، بل نتيجة توتر وخوف وسيلٍ من المعلومات غير الدقيقة. وهنا بدا الدرس واضحاً: أخطر ما يمكن أن يحدث في زمن الحروب هو أن نتحول نحن أنفسنا إلى ساحة صراع.
الجانب الإيجابي الذي لا ينبغي تجاهله هو أن هذه المرحلة أعادت الأردنيين إلى الحديث عن الأردن نفسه. عاد النقاش إلى الداخل، إلى الاقتصاد، والمجتمع، والتعليم، وإلى فكرة الدولة التي تجمع الجميع تحت سقف واحد. وكأن الأزمة ذكّرتنا بأن قوة الأردن لم تكن يوماً في موقعه الجغرافي فقط، بل في قدرته على الحفاظ على توازن اجتماعي دقيق رغم كل ما يحيط به من عواصف.
لقد تعلم الأردنيون عبر عقود أن القيادة لم تكن مجرد مؤسسة سياسية، بل كانت أيضا إطارا حافظ على فكرة أن كل من يعيش على أرض الأردن هو جزء من حكاية واحدة. هذه الفكرة، التي قامت على المساواة والاحتواء واحترام التنوع، لم تظهر أهميتها إلا في لحظات التوتر الكبرى، حين احتاج الناس إلى مرجعية جامعة تعيد تهدئة الإيقاع العام وتمنع الانزلاق نحو الفوضى الداخلية.
وفي هذه الأزمة تحديداً، بدا الالتفاف حول القيادة تعبيراً عن فهم جماعي بأن الاستقرار ليس شعاراً، بل نتيجة علاقة ثقة تراكمت عبر الزمن. فالدولة التي تعامل أبناؤها بوصفهم شركاء، تجدهم يقفون معها عندما تصبح المنطقة كلها على حافة القلق.
كيف ظهرنا إذن؟ ظهرنا كما يفعل الأردنيون دائماً: نختلف، نعم، لكننا لا نقبل أن يتحول اختلافنا إلى كسرٍ في البيت الواحد. تعلّمنا أن الخطر الخارجي يمر، أما الشقاق الداخلي فيبقى إن سمحنا له بالنمو.
أنا أتكلّم عن الأردن، لأن الحديث عنه اليوم ليس خطاباً وطنياً عاطفياً، بل محاولة لفهم ما كشفته هذه اللحظة: أننا، رغم كل شيء، ما زلنا نملك القدرة على العودة إلى أنفسنا، إلى عاداتنا وثوابتنا، وإلى الفكرة البسيطة التي حفظت هذا البلد طويلاً، أن الأردن يقوى كلما وقف أبناؤه صفاً واحداً، لا ضد بعضهم، بل من أجل بعضهم.