م . سعيد بهاء المصري : أين يأخذ نتنياهو الشرق الأوسط؟
بعد أن أُنجز النقاش حول نقد العقيدة الأمنية القائمة على القوة كما طرحها جوناثان شيمشوني، تبرز اليوم مرحلة أكثر تعقيدًا لا تتعلق بطبيعة الحرب بقدر ما تتعلق بكيفية إنهائها أو بالأحرى كيفية عدم إنهائها. فحتى تاريخ الأول من نيسان 2026، تتقاطع تصريحات دونالد ترامب حول قرب إنهاء الحرب على إيران مع إصراره على أن ذلك لا يستلزم اتفاقًا مكتوبًا مع طهران، بل يمكن أن يتم ضمن ترتيبات غير معلنة، مع الإبقاء في الوقت ذاته على عناصر الضغط العسكري الأميركي في الخليج العربي كأداة تهديد قائمة عند الحاجة. هذا الطرح لا يعكس توجهًا نحو تسوية بقدر ما يعكس رغبة في تجميد الصراع ضمن سقف يمكن التحكم به، دون الالتزام بإغلاقه سياسيًا.
هذا التوجه ينسجم إلى حد كبير مع ما يسعى إليه بنيامين نتنياهو، الذي سارع إلى الإعلان عن تحقيق الأهداف العسكرية في إيران، في إشارة لا تخلو من دلالات استراتيجية. فالإعلان عن «نهاية المهمة» في غياب اتفاق رسمي لا يعني إنهاء الحرب، بل يعني تثبيت مرحلة انتقالية تُمنح فيها إسرائيل حرية إعادة استخدام القوة متى رأت أن التهديد يتجدد. وهنا تتحول الحرب من مواجهة محددة بزمن وأهداف إلى أداة دائمة لإدارة البيئة الإقليمية، حيث يُصبح وقف العمليات مجرد استراحة تكتيكية ضمن مسار أطول.
في هذا الإطار، لا يبدو أن المنطقة تتجه نحو استقرار بقدر ما تتجه نحو صيغة جديدة من عدم اليقين المنظّم. فالجمع بين خطاب الانسحاب الأميركي وخطاب التهديد، وبين إعلان الإنجاز الإسرائيلي والإبقاء على خيار الضرب، ينتج بيئة لا يمكن التنبؤ بمسارها، لأن القرار بالحرب أو الهدنة لم يعد مرتبطًا بتفاهمات واضحة، بل بإرادات متحركة يمكن أن تتغير في أي لحظة. هذه الحالة بحد ذاتها تُعيد إنتاج الفكرة التي حذر منها شيمشوني، ولكن بصورة أكثر تطورًا، حيث لا تُستخدم القوة فقط، بل يُستخدم غياب الحسم كأداة بحد ذاته.
ويزداد المشهد تعقيدًا مع الإشارات الأميركية المتزايدة نحو نقل مركز الاهتمام إلى ساحات أخرى، بما في ذلك الحديث عن كوبا والبحر الكاريبي. هذا لا يعني بالضرورة تحولًا كاملًا في الأولويات، لكنه يعكس نمطًا في إدارة الأزمات يقوم على الانتقال من ملف إلى آخر دون إغلاق الملفات السابقة، وهو ما يترك خلفه مناطق رمادية غير مستقرة، تظل قابلة للاشتعال في أي وقت. وبهذا المعنى، فإن الشرق الأوسط لا يخرج من دائرة الصراع، بل يُعاد إدراجه ضمن منظومة أوسع من الأزمات المتحركة.
أما على المستوى الاقتصادي، فإن هذه المرحلة تضع اقتصادات دول المنطقة أمام اختبار غير مسبوق. فعدم وضوح نهاية الحرب، وتذبذب المواقف الدولية، واستمرار التهديدات للممرات الحيوية، كلها عوامل تُبقي أسواق الطاقة والتجارة في حالة توتر دائم. وفي هذا السياق، تبرز الطروحات الإسرائيلية المتعلقة بإعادة توجيه مسارات الطاقة نحو شواطئ البحر الأبيض المتوسط، ضمن إطار أمني–اقتصادي جديد، كجزء من محاولة لإعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية للمنطقة بما يتماشى مع مصالحها. غير أن مثل هذه الطروحات، في ظل المناخ الحالي، تُقرأ في كثير من العواصم الإقليمية ليس كمشاريع استقرار، بل كمحاولات لربط الاقتصاد بالأمن بطريقة قد تفتح الباب أمام أشكال جديدة من الضغط السياسي.
وهنا يتشكل بُعد جديد للصراع، لا يتعلق فقط بالسيطرة العسكرية، بل بالقدرة على إعادة توجيه التدفقات الاقتصادية وفرض مسارات بديلة للتجارة والطاقة. وفي ظل غياب منظومة إقليمية متماسكة، تصبح كل دولة أكثر عرضة للانكشاف أمام هذه التحولات، ما يزيد من هشاشة النظام الاقتصادي الإقليمي ككل.
ولا يقتصر هذا التحول على الإقليم وحده، بل يمتد ليكشف عن تغير أعمق في بنية النظام الدولي ذاته، حيث لم تعد التحالفات الكبرى تعمل وفق منطق الالتزام الصلب كما في السابق. فالصين، التي بنت صعودها على استقرار النظام التجاري العالمي، تجد نفسها اليوم مضطرة إلى موازنة دقيقة بين الحفاظ على هذا الاستقرار وبين تجنب الانخراط العسكري المباشر، ما يدفعها إلى تبني سياسة تقوم على الحذر والدعوة إلى التهدئة، بالتوازي مع إعادة بناء أدواتها الاقتصادية والمالية بشكل يقلل من اعتمادها على النظام القائم.
وفي المقابل، أظهرت عدة دول أوروبية منضوية في حلف الناتو ترددًا واضحًا في الانخراط في الحرب، وهو ما يعكس فجوة متنامية بين مصالحها المرتبطة باستقرار الطاقة والتجارة، وبين الأجندة الأميركية الأوسع. أما اليابان، فقد اختارت بدورها موقفًا حذرًا، إدراكًا منها لحساسية اعتمادها الكبير على إمدادات الطاقة القادمة من الخليج، ما دفعها إلى إعطاء الأولوية للأمن الاقتصادي على حساب الانخراط العسكري.
وبين هذا الحذر الصيني، والتردد الأوروبي، والبراغماتية اليابانية، يتشكل مشهد دولي جديد لا يقوم على تحالفات صلبة، بل على شبكات مصالح مرنة وقابلة لإعادة التموضع، وهو ما يعزز الاتجاه نحو عالم تُدار فيه الأزمات عبر توازنات مؤقتة، لا عبر ترتيبات مستقرة طويلة الأمد.
في ضوء ذلك، لم يعد ممكنًا التعامل مع هذه التطورات بوصفها أحداثًا منفصلة، بل يجب النظر إليها كجزء من تحول أوسع في بنية الإقليم والنظام الدولي معًا. ومن هنا، فإن التحدي الذي تواجهه دول المنطقة لا يقتصر على كيفية التعامل مع تداعيات الحرب، بل يمتد إلى كيفية تقليل قابليتها للتأثر بهذه التحولات.
وهذا يفرض ضرورة الانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق الفعل، عبر العمل على بناء إطار إقليمي أكثر ترابطًا، يربط بين منظومات التجارة والأمن الغذائي والمائي والطاقة والبيئة، بما يعزز القدرة الجماعية على امتصاص الصدمات. كما يبرز البعد الأمني كعنصر مكمل لهذا التوجه، من خلال التفكير في صيغ مرنة للتعاون بين جيوش دول المنطقة، بهدف حماية الاستقرار دون الانجرار إلى محاور صدامية جديدة.
في النهاية، فإن ما يتشكل في الشرق الأوسط اليوم ليس سلامًا جديدًا، ولا حربًا تقليدية، بل حالة وسطية تُدار فيها التوترات بدل أن تُحل. وبين رغبة الولايات المتحدة في تقليص الانخراط، وسعي إسرائيل إلى الاحتفاظ بحرية الضرب، واعتماد إيران على استراتيجيات الصبر وإعادة التموضع، يتجه الشرق الأوسط نحو مرحلة من اللا حسم المستدام، حيث لا يكون السؤال متى تنتهي الحرب، بل كيف ستُدار، ومن سيملك القدرة على توجيه مسارها دون أن تنفلت من السيطرة.
ــ الدستور