الأخبار

عماد عبد الرحمن : دروس الحروب بين القوة وحدود الواقع

عماد عبد الرحمن : دروس الحروب بين القوة وحدود الواقع
أخبارنا :  

تعد الحروب فرصة ثرية للدروس والعبر، سواء من خلال مجرياتها أو في ما سيليها من تحليلات ونقاشات، ومع ذلك، فإن إستخلاص نتائجها لن يكون سريعاً، في الحرب الدائرة الآن، سيحتاج المحللون العسكريون والإستراتيجيون الى وقت طويل لفهم أبعادها،خصوصاً انها تختلف عن الحروب السابقة، من حيث طبيعة الأسئلة المطروحة.

في مقدمة هذه الأسئلة، لماذا اندلعت الحرب أصلاً ؟ وهل المنطقة كانت بحاجة الى حسم عسكري أم الى مسار سياسي واضح؟ هل نحن أمام مأزق استراتيجي شبيه بمأزق العراق وأفغانستان؟ لماذا هذه الفجوة المتزايدة بين المستويين السياسي والعسكري، لدى مختلف الأطراف المتحاربة؟ هل يمكن أن تُفضي الحرب إلى اعادة تشكيل التحالفات التقليدية، أو حتى تفككها، مع ما قد يرافق ذلك من أزمات داخلية وخارجية؟

رغم التدمير العائل، االذي خلفته العمليات العسكرية سواء عبر سلاح الجو أو الصواريخ الباليستية بعيد المدى، فإن الواقع يُظهر بوضوح أن الخطاب السياسي القائم على ثلاثية الحسم، الردع والإنتصار المؤزر، لم يعد قادراً على إنتاج نصر حقيقي، ولا حتى تسويقه، ويتجلى ذلك بوضوح في ساحات مثل غزة ولبنان ، حيث تتكرر الشعارات التي تطلق مع كل جولة قتال دون أن تترجم الى نتائج حاسمة على الأرض.

المفارقة الأبرز أن الجيوش باتت تخوض حروبا بأهداف محدودة، في حين يرفع السياسيون سقف التوقعات إلى مستويات بعيدة التحقيق، هذا التباين لا يخلق فقط فجوة في التقدير ، بل ينعكس مباشرة على المجتمعات التي تجد نفسها أسيرة بين الوعود الكبيرة والواقع الأكثر تعقيداً، حيث تستمر الجبهات في حالة هشاشة بدل أن تتجه نحو الإستقرار.

لقد تغيرت طبيعة الحروب في المنطقة، إذ لم تعد تحسم بسرعة أو بشكل نهائي، بل أصبحت أقرب إلى إدارة الصراع طويل الأمد ، تقاس نتائجها بمدى تقليض المخاطر ، لا حسمها من الأساس، هذا التحول بات محور نقاش مستمر بين المستويين السياسي والعسكري، فالأول يميل الى رفع سقف الأهداف، بينما يقدم الثاني تقديرات أكثر حذراً وواقعية، ما سيؤدي إلى تضارب في الرسائل وتصادم بين الطموح والإمكان.

في السياق ذاته، يتكرر الحديث عن أهداف كبرى مثل نزع سلاح تنظيمات أو تغيير موازين قوى جذري، لكن التجربة تثبت صعوبة تحقيق هذه الأهداف، لتكون النتيجة مجتمعات تعيش على وعود غير متحققة، وجبهات تبقى مفتوحة وقابلة للإشتعال في أي لحظة.

على مستوى أوسع، تبرز مسألة التحالفات كعامل حاسم في المرحلة المقبلة، ومع ارتفاع كلف الحروب وتعقيداتها، قد تظهر تباينات في الأولويات بين الحلفاء، سواء على مستوى النخب السياسية او حتى القواعد الانتخابية، هنا يبرز السؤال الجوهري: ما جدوى حروب مدمرة تستنزف فيها مقدرات الدول ، وتتضرر فيها حياة المواطنين بشكل مباشر من خلال تدمير البنى التحتية أو ارتفاع الأسعار وفقدان الخدمات الأساسية مثل الطاقة؟.

لم تعد المشكلة مقتصرة على إمتلاك القوة العسكرية أو تطوير ادواتها، بل باتت تكمن في القدرة على التكيف مع واقع اقليمي معقد لا يتغير بسهولة، مهما بلغت شدة العمليات العسكرية أو حجم الدمار، فالقوة، مهما تطورت ، لا تكفي وحدها لفرض الإستقرار، ولا يمكن للتكنولوجيا أو الضربات عن بعد أن تحسم صراعاً تتداخل فيه الأبعاد السياسية والإجتماعية والإنسانية .

في جوهر الأمر، يكمن التحدي الحقيقي في الفهم والتقدير والذهنية الماثلة، فهم طبيعة الخصم، وإدراك حدود القوة، وإستيعاب أن الطرف الآخر يقاتل بدافع البقاء، وهو ما يمنحه قدرة مستمرة على التكيف والإستمرار.

وفي النهاية قد لا يكون الفشل العسكري هو الأخطر، الأخطر هو أن تفقد الحروب معناها، وأن تضيع أهدافها، في خضم الشعارات، عندها لا يعود السؤال كيف نحقق النصر، بل لماذا اللجوء للحرب أصلاً؟ ــ الراي

مواضيع قد تهمك