محمد ابو رمان : المخرج الاستراتيجي القادم!
من الواضح أنّ الحرب الحالية لا تتجه نحو التهدئة أو خفض التصعيد أو حتى تسوية دبلوماسية، على النقيض من ذلك نتجه نحو التصعيد العسكري والتوسع الجغرافي والتمدد الزمني، وإذا كان باب المفاوضات (المقترحة بين واشنطن وطهران) مفتوحاً بنسبة 20 ٪ خلال الأيام السابقة، فإنّه أصبح شبه مغلق حالياً، على الأقل خلال الأيام القادمة، ولا يوجد ما يدفع إلى ترجيح احتمال عقد مفاوضات مباشرة الآن.
عمد الرئسي الأميركي دونالد ترامب خلال المرحلة الماضية إلى استخدام سياسة حافة الهاوية Brinkmanship ، من خلال إعادة تعريف القوة وتوسيع المفهوم من الجانب العسكري وحده إلى مفهوم التهديد والإكراه ومحاولة إجبار العدو على تنفيذ ما يراد له من دون الاضطرار إلى استخدام القوة فعلياً، ومثل هذا الألعاب يتطلب تحقيقها شروطاً رئيسية، منها المصداقية والجدية والقدرة على تنفيذ ذلك، وقد عمل ترامب على توفير الشروط الثلاثة بصورة كبيرة؛ إذ حشد القوات وبعث برسائل التهديد القاسية ومارس ضغوطاً نفسية كبيرة على القيادة الإيرانية قبل بداية الحرب، ثم في المرحلة الحالية من خلال المدة التي أعطاها لإيران للقبول بالشروط الأميركية قبل الانتقال إلى مصادر الطاقة، مستخدماً مصطلح «إعادة إيران إلى العصر الحجري».
المشكلة التي واجهها ترامب هي أنّ الطرف الثاني، هو الآخر يتقن اللعبة نفسها، وينظر إلى المعركة الحالية كحرب وجودية، بخاصة إذا تحدثنا عن الحرس الثوري، الذي يمسك اليوم بزمام القرار والقوة في إيران بصورة كاملة، وما قد يبدو لنا في كثير من الأحيان بمثابة سياسات غير عقلانية في توسيع النطاق الجغرافي، هو باعتبارات الحرس الثوري الإيراني ومنظوره جزء أساسي لا يمكن الاستغناء عنه إذا أراد النظام البقاء والاستمرار، مهما كانت الكلفة مرتفعة وكبيرة.
رهانات ترامب الأولى لم تنجح، وقد يكون هو نفسه قد اعترف بذلك، فلم يخرج الإيرانيون إلى الشارع للترحيب بالضربات والثورة على النظام، ولم يستسلم النظام الإيراني، وبخلاف إدعاءاته فإنّ القيادة الجديدة في النظام الإيراني ليست أكثر تساهلاً، بل على النقيض من ذلك فإنّ الحرس الثوري أصبح أكثر إمساكاً بمقاليد السلطة وتشدداً، ويقيد بصورة كبيرة من نفوذ النخبة البراغماتية في النظام، بخاصة كل من رئيس الجمهورية مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي، وإذا كانت الفرصة سانحة سابقاً لترامب لإيجاد مخرج استراتيجي، فيه أكثر صعوبة اليوم، مع مشكلة مضيق هرمز، وتوسع النطاق الجغرافي للحرب مع دخول أنصار الله الحوثيين مؤخراً، وإن كان بصورة متواضعة، وفي حال نفّذ الحوثيون التهديدات الإيرانية بإغلاق باب المندب فإنّ الوضع سيكون أكثر تأثيراً على الأمن العالمي بأسره.
إذاً نقطة الخروج الأولى من الحرب وتجنب التصعيد لم تعد – غالباً قائمة-، والمرحلة الجديدة من التصعيد ستحمل معها ديناميكيات جديدة أخرى أكثر تدميراً وتأثيراً، مما يدفع بالسؤال عن نقطة الخروج الثانية المتوقعة من هذا المسار المتصاعد للحرب؟!
لا تزال شخصية ترامب تلعب دوراً كبيراً بوصفه شخصاً يصعب التنبؤ بتصرفاته Unpredictable ، وكما سبق وأن هدّد يمكن أن يخرج للجميع، بعد عمليات التصعيد وقصف البنية التحتية الإيرانية خلال الأسابيع القادمة، ويقول لقد أنجزت المهمة وانتصرت ودمّرت إيران وأعدتها للعصر الحجري، ويبقي العقوبات والحصار على إيران، ويترك باب المندب بوصفه مشكلة عالمية وليست أميركية فقط، بما يترك ملفات كبيرة مفتوحة، من ضمنها أمن الخليج والحرب في لبنان ومضيق هرمز نفسه.
أمّا نقطة التحول- الخروج الأخرى، فتتمثل باحتمالية نجاح أميركا، من خلال التصعيد، بإضعاف إيران بصورة كبيرة والتأثير على المعنويات الشعبية وقدرات الردع لدى الحرس الثوري؛ ما يفتح الباب للتيار البراغماتي والإصلاحي، مثل عراقجي وبزشكيان، ومعهم التيار الإصلاحي في الخلف، لعقد صفقة مع الحرس الثوري أولاً، ثم مع الشارع الإيراني ومع الإدارة الأميركية بالموافقة على الشروط كاملة، وهذا السيناريو – من وجهة نظر كاتب هذه السطور- سيبقى استراتيجية خروج للجميع، لكن لحظته لم تحن بعد، طالما أنّ الحرس الثوري صامداً وقادراً على الردّ أو حماية سرديته في مواجهة أميركا، ويمسك بأوراق مثل هرمز وتوسيع نطاق العدوان.
إذاً لم يحدث أيّ من ذلك، فإنّ الحرب قد تمتد إلى مرحلة أطول، وقد تتوسع بصورة أكبر وتنتقل لتكون حرباً بالوكالة Proxy War، بخاصة إذا شعرت الصين أن الفرصة أصبحت مواتية أكثر لاستنزاف الولايات المتحدة هناك، والحال كذلك بالنسبة للروس، وتوسّعت شقّة الخلاف بين أميركا وأوربا، بصورة أكثر دراماتيكية خلال المرحلة القادمة، وبالتالي يمكن أن تحصل إيران على قدرات أكثر فعالية تمكّنها من الصمود وتحمل الكلفة الكبيرة للحرب .
ــ الدستور