الأخبار

رومان حداد : تركيا و الدور الإقليمي

رومان حداد : تركيا و الدور الإقليمي
أخبارنا :  

في خضم الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، تجد تركيا نفسها أمام واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخها السياسي الحديث، حيث تتقاطع الطموحات الكبرى مع مخاطر الانكشاف الاستراتيجي، فأنقرة، التي سعت خلال العقدين الماضيين إلى إعادة إنتاج دور إقليمي واسع يستند إلى إرثها التاريخي وموقعها الجيوسياسي، تدرك أن مآلات هذه الحرب قد تعيد رسم حدود نفوذها صعوداً أو هبوطاً.

 

المعضلة التركية تنبع من طبيعة النتائج المحتملة للحرب، وليس من الحرب ذاتها، فأنقرة لا ترغب بخروج إيران منتصرة، لأن ذلك يعني تمدد نفوذ طهران من الخليج إلى عمق الشرق الأوسط، وهو ما يتعارض مباشرة مع المشروع التركي لبسط نفوذ إقليمي متعدد الأبعاد، حيث أن انتصار إيران في هذه الحرب لن يكون مجرد مكسب لطهران، بل سيشكل تراجعاً عملياً لمجال الحركة التركي، خاصة في الساحات التي تتقاطع فيها مصالح الطرفين، مثل العراق وسوريا، وبدرجة أقل في لبنان.

في المقابل، لا تبدو تركيا أكثر ارتياحاً لفكرة هزيمة إيران أو انهيار نظامها، لأن مثل هذا السيناريو، رغم ما قد يحمله من تقليص للنفوذ الإيراني، يفتح الباب أمام إعادة هندسة المنطقة وفق مقاربات تقودها إسرائيل والولايات المتحدة، بما يعني تعزيز الدور الإسرائيلي على حساب الفاعلين الإقليميين الآخرين، وفي مقدمتهم تركيا، وبذلك، تتحول أنقرة من منافس لطهران إلى طرف مهدد بالتهميش في نظام إقليمي جديد قد لا يترك لها مساحة حيوية كافية.

بين هذين الخيارين، تتبلور الاستراتيجية التركية في تبني ما يمكن وصفه بـ(التوازن السلبي)، أي الدفع نحو نتيجة لا يخرج فيها أي طرف منتصراً بشكل حاسم، فتركيا تفضل بقاء النظام في إيران، ولكن في صورة نظام متهالك يقود دولة منهكة وضعيفة، غير قادرة على فرض نفوذها الإقليمي، وفي الوقت ذاته عاجزة عن الانهيار الكامل، وأن تخرج إسرائيل من الحرب دون تحقيق أهدافها الاستراتيجية الكبرى، بحيث لا تتمكن من فرض هيمنة إقليمية جديدة، وفق قواعد اليمين الإسرائيلي المتطرف، وبالتالي تضطر للتعاطي مع معطيات جديدة لا تكون فيها متفردة بالقرار في منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي.

هذا السيناريو، رغم ما يحمله من استمرار لحالة عدم الاستقرار، إلا أنه في الحقيقة يوفر لتركيا بيئة مثالية لتمديد نفوذها، فحالة (المهزوم–المهزوم) تخلق فراغات أمنية وسياسية، يمكن لأنقرة أن تتقدم لملئها، سواء عبر أدواتها العسكرية، أو من خلال شبكات نفوذها الاقتصادية والسياسية، وهنا، يظهر بوضوح ما يمكن تسميته بـ"الحلم التركي المتجدد"، الذي لا يقوم على السيطرة المباشرة، بل على إدارة النفوذ ضمن فضاء إقليمي متشابك.

غير أن هذه المقاربة، رغم ما تبدو عليه من دقة ومرونة، إلا أن شروط نجاحها معقدة، فنجاحها لا يعتمد على نتائج الحرب فقط، بل إدارة نتائج ما بعد الحرب أيضاً،وذلك يتطلب قدرة عالية من قبل أنقرة على ضبط التوازنات الناتجة عن حالة (مهزوم-مهزوم)، لأن استمرار حالة الاستنزاف الإقليمي الناتجة عن حالة (مهزوم-مهزوم) قد ينعكس سلباً على الداخل التركي اقتصادياً وأمنياً، خاصة في ظل بيئة دولية مضطربة، خصوصاً وأن تركيا تمر بمرحلة مخاضات سياسية تتعلق بالصراع السياسي الداخلي بين الرئيس التركي رجب طيب إردوغان وخصومه السياسيين من جهة، ومعركة خلافة إردوغان داخل أروقة حزب العدالة والتنمية.

لذلك تشكل الحرب الإيرانية اختباراً استراتيجياً لتركيا سيحدد الدور التركي في المنطقة لعقود قادمة، فإما أن تنجح أنقرة في تحويل الفوضى التي ستخلفها الحرب إلى فرصة لتعزيز دورها الإقليمي، أو ستجد نفسها أمام نظام إقليمي جديد يعيد تعريف مكانتها بصورة تقلص من طموحاتها، إن أنقرة تبدو وكأنها تخوض معركة غير مباشرة، لكنها قد تكون حاسمة في تحديد موقعها في الشرق الأوسط لعقود قادمة، وانتصار أحد طرفي الحرب يعني أن تركيا خرجت مهزومة من حرب لم تخضها أصلاً.

مواضيع قد تهمك