الأخبار

م. زيد خالد المعايطة : عواقب ما بعد الصمت… تعزيز منعة الصحة النفسية في أوساط التعليم والعمل

م. زيد خالد المعايطة : عواقب ما بعد الصمت… تعزيز منعة الصحة النفسية في أوساط التعليم والعمل
أخبارنا :  

في الأسابيع الأخيرة، أعادت مجموعة من الأحداث المؤلمة المرتبطة بفقدان أرواح شابة فتح ملفات النقاش حول مدى استقرار عناصر الصحة النفسية بين الشباب في الأردن بشكل عام، وفي الجامعات وأماكن العمل، وحتى داخل المنازل والأسر بشكل خاص. ففي بعض الحوادث في الآونة الأخيرة برزت سلوكيات مستجدة على المجتمع الأردني، وتسببت بصدمة واسعة جراء قسوتها؛ سلوكيات سلّطت الضوء على أمر ظل حاضراً بهدوء لفترة طويلة، بالرغم من تجاهله، وهو ما تسبب بالفجوة بين ما يعيشه الأفراد فعلياً، وبين الدعم الذي يشعرون بأنهم قادرون على اللجوء إليه.

لفهم هذه الصورة بشكل أوضح، لا بد من إعادة النظر في مفهوم الصحة النفسية، فالأغلبية تعتقد أنها غالباً ما تُربط بالحالات الطبية أو المرضية فقط، بينما في الواقع تظهر في تفاصيل أخرى أقرب إلى الحياة اليومية؛ في التوتر المستمر، والقلق، وفترات الإرهاق النفسي. وهي تجارب يمر بها عدد كبير من الناس، خاصة من فئة الشباب الذين يعيشون ضغوط الدراسة والعمل وتحديات المستقبل، ومع ذلك لا يُنظر إليها دائماً على أنها حالة تستدعي طلب الدعم.

بالنسبة لكثير من الناس، لا يظهر الدعم كخيار واقعي وضروري، ليس لأنه غير موجود، بل لأنه يبدو شيئاً لا يتم اللجوء إليه بشكل طبيعي. فبالنسبة للبعض يبدو بعيداً أو غير مألوف، ولدى آخرين يرتبط بفكرة أن هذه التحديات يجب التعامل معها بشكل شخصي. وفي كثير من الحالات، يواصل الأفراد حياتهم وهم يتعاملون مع ما يواجهونه بطريقتهم الخاصة، يحاولون التكيّف قدر الإمكان والاستمرار في أداء مسؤولياتهم، مع تأجيل فكرة طلب المساعدة إلى وقت غير محدد.

ويأتي هذا التردد نتيجة عاملين متداخلين؛ الأول مرتبط بكيفية النظر إلى الصحة النفسية اجتماعياً، حيث ما تزال هذه المساحة تُتعامل معها بحساسية، وغالباً ما تبقى في نطاق شخصي، متأثرة بقيم المسؤولية والتحمل والاعتماد على الذات. أما العامل الثاني، فهو مرتبط بتجربة الوصول إلى الدعم، حيث قد لا يكون متاحاً بطريقة سهلة أو قريبة من الحياة اليومية، وقد يتطلب خطوات إضافية أو إجراءات غير مألوفة. وفي ظل الضغوط، قد تكون هذه العوائق البسيطة كافية لتأجيل اتخاذ القرار، وهو ما يجعل الوعي وحده غير كافٍ؛ إذ يبقى الأهم هو أن يشعر الأفراد بالارتياح تجاه الفكرة، وأن يكون الدعم قريباً بما يكفي ليصبح خياراً فعلياً يمكن اللجوء إليه.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في كيفية تقديم هذا الدعم، بحيث لا يُنظر إليه كخدمة منفصلة يجب البحث عنها، بل كجزء طبيعي من البيئات التي يعيش ويتحرك فيها الأفراد، سواء في المدارس أو الجامعات أو أماكن العمل. فحين يكون الدعم حاضراً ومرئياً ضمن هذه البيئات، يصبح التعامل معه أكثر سهولة وطبيعية.

في المدارس والجامعات وأماكن العمل على حد سواء، يصبح الدعم أكثر تأثيراً عندما يكون جزءاً من البيئة نفسها. ففي المدارس والجامعات، يمكن أن يكون جزءاً من الحياة اليومية للطلبة، من خلال الإرشاد والمبادرات والتفاعل المباشر الذي يجعل الحديث عن الضغوطات النفسية أمراً عادياً. أما في بيئات العمل، فإن وجود هذا الدعم داخل المؤسسة، سواء من خلال برامج داخلية أو تعاون مع جهات مختصة، يجعل اللجوء إليه أقرب وأسهل، دون شعور بالتكلف أو الخروج عن الروتين.

وعلى مستوى أوسع، يتطلب تعزيز هذا الحضور تنسيقاً بين عدة أطراف؛ حيث يمكن لشركات التأمين إدراج خدمات الصحة النفسية ضمن مظلة التغطية إلى جانب الصحة الجسدية، كما يمكن للمؤسسات الطبية ضمان توفر هذه الخدمة واستمراريتها، في حين تلعب مؤسسات التعليم، والقطاع الخاص، ومؤسسات المجتمع المدني دوراً في توسيع نطاق التواصل وبناء الثقة بكل ما يخص هذا الموضوع.

وفي الحياة اليومية، يتأثر الناس كثيراً بما يرونه حولهم أكثر مما يُطلب منهم. فعندما يرى الشخص من حوله يتحدثون عن الضغط بشكل طبيعي، أو يلجؤون إلى الدعم دون حرج، يتغير إحساسه تجاه الفكرة، ويبدأ بالتفكير فيها بشكل مختلف. وهنا يظهر دور الشخصيات العامة في فتح مجال الحديث بذلك، كما أن للقادة الدينيين والمجتمعيين دوراً مهماً في تقديم هذا الموضوع ضمن قيم الرعاية والمسؤولية. لكن الأثر الأقرب غالباً يأتي من التفاصيل البسيطة: من معلم يلاحظ الضغط على طلابه، أو مدير يخفف الإيقاع عند الحاجة، أو زميل يفتح باب الحديث. فهذه المواقف اليومية هي التي تعيد تشكيل ما هو مقبول، وتجعل فكرة طلب الدعم أكثر قرباً وإنسانية.

وفي النهاية، فإن تعزيز حضور الصحة النفسية في الأردن لا يرتبط فقط بتوفير الخدمات، بل بقدرتنا على خلق بيئات يشعر فيها الإنسان بأنه ليس مضطراً لأن يحمل كل شيء بمفرده؛ بيئات تُطمئنه بأن طلب الدعم ليس استثناءً، بل جزء طبيعي من الحياة. وعندما يقترب هذا الدعم من الناس، ويصبح جزءاً من تفاصيل يومهم، فإننا لا نبني فقط أنظمة أفضل، بل نبني مجتمعاً أكثر فهماً وإنسانية؛ مجتمعاً يرى الإنسان في إنجازه، وفي ضعفه، وفيما يحمله بصمت.

– باحث في الاقتصاد والسياسات السلوكية

مواضيع قد تهمك