الأخبار

خبراء عسكريون وسياسيون : رؤية ملكية جوهرية لتمكين الجيش

خبراء عسكريون وسياسيون : رؤية ملكية جوهرية لتمكين الجيش
أخبارنا :  

كتبت: نيفين عبد الهادي

توجيه ملكي هام ومحدد بمدة زمنية تؤكد حرص جلالة الملك عبد الله الثاني على التنفيذ، حيث وجه جلالة الملك عبدالله الثاني، القائد الأعلى للقوات المسلحة، بإعداد استراتيجية وخارطة طريق لتحقيق تحول بنيوي في القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي خلال الثلاث سنوات القادمة، في رسالة إلى رئيس هيئة الأركان المشتركة، بمحددات غاية في الأهمية، واضحة تشكّل نهج عمل حديث يدفع باتجاه تمكين القوات المسلحة من مواجهة التهديدات الحالية والمستقبلية والتغيرات المتسارعة التي فرضتها التطورات التكنولوجية.

وضع جلالة الملك عبدالله الثاني رؤى جوهرية في الرسالة، تجعل من القادم مؤكد الإنجاز، والتميّز، بسعي واضح وفقا لما أكده جلالته بطموح للقوات المسلحة أن تكون رشيقة ومرنة ونوعية نواصل إعدادها وتسليحها وتدريبها على أساليب القتال الحديثة لتبقى على مستوى عال من الكفاءة والاحترافية والجاهزية، مع التركيز على أن تمتلك القدرة على حماية مراكز الثقل الاستراتيجية والعملياتية لديها وأن توظف تقنيات الدفاع الحديثة، وقوات احتياط كافية معززة بمختلف القدرات اللازمة لتنفيذ عملياتها بكفاءة، وكذلك على الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي، والتطوّرات التكنولوجية.

رسالة هامة جدا، تضمنت تفاصيل عبقرية، تهدف أن تحقق القوات المسلحة الأردنية تطورات وقفزات في المجالات العسكرية بما يتناسب مع متطلبات المرحلة، يتم من خلالها وضع استراتيجية شاملة وخارطة طريق واضحة لتحقيق تحول بنيوي في القوات المسلحة، لتمكينها من مواجهة التهديدات الحالية والمستقبلية والتغيرات المتسارعة والتحديات الناشئة التي فرضتها التطورات التكنولوجية واتساع بيئة العمليات، ومن النظر في المتطلبات المتعلقة بتحديث وتطوير قواتنا المسلحة وإعادة هيكلتها ليتناسب هيكلها التنظيمي مع متطلبات القتال ضمن بيئات العمليات المختلفة، وبشكل يضمن إتقان أساليب الحرب الحديثة والتوظيف الفاعل لقدراتها بشكل يتناسب مع طبيعة الحروب المعاصرة الهجينة وغير التقليدية.

وفي متابعة خاصة لـ"الدستور" حول أهمية التوجيه الملكي، ورسالة جلالة الملك عبدالله الثاني أمس إلى اللواء الركن يوسف أحمد الحنيطي، رئيس هيئة الأركان المشتركة للقوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، أكد خبراء عسكريون وسياسيون أن اليقظة التي يدعو إليها جلالة الملك ليست حالة طوارئ مفتوحة، بل هي وعي دائم، ويقظة عقل قبل أن تكون يقظة سلاح، واستعداد مؤسسي قبل أن يكون انتشاراً ميدانياً، وهي رسالة تطمين بقدر ما هي رسالة حزم، ورسالة بناء بقدر ما هي رسالة حماية، تؤكد أن الأردن، بقيادته الهاشمية، لا ينتظر التهديد ليواجهه، بل يقرأه مبكراً ويُحسن الاستعداد له.

وذكر المتحدثون أن الرسالة تعكس حرص جلالة الملك على أن يبقى الجيش العربي في موقعه الريادي، جيشًا محترفًا ومتطورًا، قادرًا على مواكبة المتغيرات المتسارعة في طبيعة التهديدات وأساليب المواجهة. فالعالم اليوم يشهد تحولات نوعية في مفاهيم الأمن والدفاع، حيث لم تعد التحديات محصورة في الأشكال التقليدية، بل امتدت إلى مجالات التكنولوجيا المتقدمة، والفضاء السيبراني، والأنظمة الذكية.

وشدد المتحدثون على أن تثبيت جلالة الملك لمكانة القوات المسلحة بوصفها مؤسسة وطنية جامعة ليس مدخلًا إنشائيًا، بل خطوة محسوبة لتحصين الجبهة الداخلية قبل الشروع في أي تحول بنيوي عميق، فالتجارب المقارنة تؤكد أن أكثر من 60% من برامج إعادة الهيكلة العسكرية في الدول الهشة فشلت بسبب ضعف الحاضنة المعنوية للمؤسسة العسكرية، فيما نجحت الدول التي سبقت الإصلاح بإعادة ترسيخ الثقة بين الجيش والمجتمع، وهذه رسالة داخلية بقدر ما هي رسالة ردع للخارج بأن الجيش الأردني يتحرك من موقع قوة وثبات.

وأكد المتحدثون أننا أمام رسالة تؤسس لعقيدة أمنية جديدة قوامها الاستباق، والتكامل، والتفوق النوعي، وإدارة الصراع لا انتظار انفجاره، رسالة تقول إن الأردن يقرأ التحولات بعمق، ويبني قوته بعقل بارد، ويعيد تشكيل جيشه ليبقى قادرًا على حماية الدولة، وردع التهديدات، وصون الاستقرار في إقليم مضطرب، وهي رسالة موجهة بقدر ما هي للداخل، إلى كل من يفكر باختبار الدولة الأردنية أو المساس بأمنها.



&& اللواء الركن عدنان الرقاد.



مدير عام المؤسسة الاقتصادية والاجتماعية للمتقاعدين العسكريين والمحاربين القدماء اللواء الركن المتقاعد عدنان الرقاد قال: جاءت رسالة جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين، القائد الأعلى للقوات المسلحة، إلى رئيس هيئة الأركان المشتركة، كتوجيه استراتيجي عميق، يُقرأ بعين القائد، ويُفهم بعقل المحلل، ويُستوعب بروح الدولة التي تعرف أن الأمن ليس حالة طارئة، بل مسار دائم من الوعي والاستعداد والتطوير.

وأضاف الرقاد: تأتي هذه الرسالة في توقيت بالغ الحساسية، في لحظة إقليمية تتكاثر فيها مصادر التهديد، وتتبدّل فيها أنماط الصراع، وتنتقل فيها المخاطر من المواجهات التقليدية إلى حروب مركّبة، تختلط فيها السياسة بالأمن، والاقتصاد بالمعلومة، والجغرافيا بالفضاء السيبراني، ومن هنا، فإن الدعوة الملكية إلى تطوير وهيكلة القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، والأجهزة الأمنية، تعبّر عن إدراك عميق لطبيعة التحديات الحديثة، التي لم تعد تُقاس فقط بقوة السلاح، بل بقدرة المؤسسة العسكرية على الفهم، والتكيّف، والاستباق.

وبين الرقاد أن جوهر الرسالة الملكية لا يكمن في إعادة ترتيب الهياكل بقدر ما يكمن في إعادة بناء الفلسفة الأمنية ذاتها؛ فلسفة تقوم على أن الجاهزية ليست حالة مؤقتة، وأن اليقظة ليست رد فعل، وأن التطوير ليس خياراً مؤجّلاً، بل ضرورة وجودية لدولة تحيط بها تعقيدات الجغرافيا وتقلبات السياسة. فالدولة القوية، كما يراها جلالة القائد الأعلى، هي تلك التي تُراجع ذاتها قبل أن تُجبرها الأحداث على ذلك، وتُحدّث أدواتها قبل أن تختبر حدودها.

ومن منظور عسكري، قال الرقاد إن الحديث عن تطوير وهيكلة المنظومة العسكرية والأمنية يعني بالضرورة تعزيز التكامل بين المؤسسات، ورفع كفاءة منظومات القيادة والسيطرة، وتحديث أساليب التدريب والتأهيل، والاستثمار العميق في الإنسان العسكري، بوصفه حجر الأساس في أي معادلة أمن وطني. فالسلاح دون عقل مدرَّب، والعقيدة دون فهم متجدد، والجاهزية دون وعي استراتيجي، كلها عناصر ناقصة لا تصنع أمناُ مستداماً.

وأشار الرقاد إلى أن الرسالة الملكية تحمل أيضا بعداً فلسفياً بالغ الأهمية، يتمثل في التأكيد على أن الأمن يُدار بعقلية الثقة المدروسة، ولا يُبنى على ردود الأفعال، بل على القراءة الهادئة للمشهد، والتقدير الدقيق للمخاطر، واتخاذ القرار في الوقت المناسب. وهي فلسفة رسّخت عبر العقود مكانة الأردن كدولة مستقرة، تمتلك مؤسسات عسكرية وأمنية محترفة، تحظى باحترام الداخل وثقة الخارج.

وبين الرقاد أن اليقظة التي يدعو إليها جلالة الملك ليست حالة طوارئ مفتوحة، بل وعي دائم، ويقظة عقل قبل أن تكون يقظة سلاح، واستعداد مؤسسي قبل أن يكون انتشاراً ميدانياً، وهي رسالة تطمين بقدر ما هي رسالة حزم، ورسالة بناء بقدر ما هي رسالة حماية، تؤكد أن الأردن، بقيادته الهاشمية، لا ينتظر التهديد ليواجهه، بل يقرأه مبكرا ويُحسن الاستعداد له.

وقال الرقاد: من موقعنا كمتقاعدين عسكريين، فإننا نقرأ هذه الرسالة بروح الشريك لا المتفرّج، وبضمير الجندي الذي غادر الميدان لكنه لم يغادر المسؤولية. فالمتقاعد العسكري يظل جزءاً من منظومة الأمن الوطني، يحمل خبرة متراكمة، ووعيًا استراتيجيا، وانتماءً لا يتقاعد، وهذه الرسالة الملكية تؤكد أن الدولة تقدّر هذا الرصيد، وتبني عليه، وتؤمن بأن الأمن الوطني مسؤولية جماعية تتكامل فيها الأجيال والخبرات.

وتابع الرقاد بقوله: جاءت رسالة جلالة الملك عبدالله الثاني، كمحطة مفصلية في مسار التطوير والتحديث، لتؤكد أن الأردن دولة تعرف أين تقف، وإلى أين تتجه، وكيف تحمي نفسها بعقل الدولة لا بردّة الفعل، وهي رسالة تقول بوضوح: إن الأمن في الأردن ليس شعاراً، بل فلسفة حكم، ونهج قيادة، ومسؤولية وطن.

وختم بالقول: حفظ الله الأردن أرضاً وقيادةً وشعباً، وحمى ترابه من كل سوء، وأدام عليه نعمة الأمن والأمان والاستقرار. وحفظ الله جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، وأيّده بنصره وتوفيقه، وسدّد على طريق الخير خطاه، وحفظ سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبد الله الثاني، وأدامه سنداً وعضداً لوطنه وقيادته. ونسأل الله أن تبقى قواتنا المسلحة وأجهزتنا الأمنية درع الوطن الحصين، وأن يديم على أردننا نعمة الطمأنينة والقوة والوحدة، إنه نعم المولى ونعم النصير.



&& المهندس صخر دودين.



الوزير الأسبق المهندس صخر دودين قال: حين يتحدث جلالة الملك عن الجيش برؤية للمستقبل وجذور راسخة في الوجدان، لا يمكن النظر إلى رسالة جلالته، القائد الأعلى للقوات المسلحة، إلى رئيس هيئة الأركان المشتركة، بوصفها توجيهًا عسكريًا تقنيًا فحسب؛ فهي رسالة رؤية، تنطلق من تقدير عميق لدور الجيش العربي ومكانته، وتستشرف متطلبات المستقبل في عالم سريع التحول.

وبين المهندس دودين أن الرسالة تعكس حرص جلالة الملك على أن يبقى الجيش العربي في موقعه الريادي، جيشًا محترفًا ومتطورًا، قادرًا على مواكبة المتغيرات المتسارعة في طبيعة التهديدات وأساليب المواجهة. فالعالم اليوم يشهد تحولات نوعية في مفاهيم الأمن والدفاع، حيث لم تعد التحديات محصورة في الأشكال التقليدية، بل امتدت إلى مجالات التكنولوجيا المتقدمة، والفضاء السيبراني، والأنظمة الذكية.

ومن هذا المنطلق، يقول دودين: تؤكد الرسالة أهمية التطوير المستمر لعقيدة القوات المسلحة وهياكلها وقدراتها، بما يعزز جاهزيتها وكفاءتها، ويضمن قدرتها على حماية أمن الوطن واستقراره. جيشٌ مرن، عالي الكفاءة، سريع الاستجابة، يوازن بين الردع الفاعل والحفاظ على الموارد، ويصون المصالح الاستراتيجية للدولة.

وأضاف دودين: كما تنظر الرؤية الملكية إلى الجيش العربي باعتباره الركيزة الأساسية ضمن منظومة أمن وطني متكاملة، تتكامل فيها الأدوار بين مختلف الأجهزة والمؤسسات، في إطار تخطيط وتنفيذ منسجم، وإسناد لوجستي مستدام، يعزز القدرة على الصمود في مختلف الظروف، وتولي الرسالة اهتمامًا خاصًا بتعزيز القدرات الوطنية في مجال الصناعات الدفاعية، انطلاقًا من إيمان راسخ بأهمية الاعتماد على الذات، وبناء قاعدة علمية وتصنيعية وطنية تسهم في دعم القوات المسلحة، وتوفر حلولًا مبتكرة تتناسب مع احتياجاتها.

وبين دودين أنه في سياق موازٍ، تؤكد الرؤية الملكية أهمية الحوكمة الرشيدة والتطوير الإداري، بما يعزز كفاءة الأداء، ويحفظ موارد المؤسسة العسكرية، ويضمن استدامة دورها الوطني.

الخلاصة، وفق دودين، أن الرسالة تعكس ثقة القيادة بالجيش العربي، وتقديرها العميق لتاريخه ودوره ومكانته في قلوب الأردنيين، وهي في الوقت ذاته دعوة هادئة ومسؤولة لمواصلة البناء والتحديث، ليبقى الجيش العربي كما كان دائمًا: درع الوطن، ومصدر فخره، ورمز وحدته واستقراره.



&& الدكتور عادل الوهادنة .



من جانبه، قال اللواء المتقاعد الدكتور عادل الوهادنة إن إعادة هيكلة الجيوش ليست إجراءً طارئًا ولا قرارًا انفعاليًا، بل عملية استراتيجية دورية تلجأ إليها الدول العاقلة حين تتغير طبيعة التهديدات، أو تتبدل أدوات الحرب، أو تتطلب المصلحة الوطنية كفاءة أعلى بأكلفة أقل. ويمكن تناولها بوضوح عبر ثلاثة محاور: متى، وكيف، ولماذا.

وفصّل الدكتور الوهادنة هذا الجانب بقوله: أولًا: متى تتم إعادة هيكلة الجيوش؟.. تُقدِم الدول على إعادة الهيكلة في لحظات مفصلية، أهمها: عندما تتغير طبيعة التهديد من حروب تقليدية بين جيوش نظامية إلى تهديدات غير متناظرة كالإرهاب، والحروب الهجينة، والحرب السيبرانية، والطائرات المسيّرة. وعند حدوث قفزات تكنولوجية عسكرية تجعل بعض الوحدات أو العقائد القتالية القديمة أقل فاعلية أو مرتفعة الكلفة مقارنة بالعائد العملياتي. وفي أعقاب حروب أو أزمات كبرى تكشف فجوات في القيادة، أو الانتشار، أو منظومات الإسناد واللوجستيات. وعند الضغوط الاقتصادية، حيث يصبح الحفاظ على جيش ضخم عدديًا غير مستدام دون التأثير على الجاهزية النوعية. ومع التحولات الجيوسياسية والتحالفات الجديدة، وما تفرضه من أدوار مختلفة للقوات المسلحة.

وأضاف: ثانيًا: كيف تُعاد هيكلة الجيوش؟.. إعادة الهيكلة عملية مركبة ومتدرجة، لا تُنفذ بقرارات إدارية فقط، بل عبر مسارات متوازية: مراجعة العقيدة العسكرية لتتوافق مع طبيعة الصراع المحتمل، لا الماضي، إعادة توزيع القوة البشرية، بالانتقال من الكم إلى النوع، وتعزيز القوات المهنية عالية التدريب مقابل تقليص الوحدات ذات الجدوى المحدودة، دمج التكنولوجيا في صلب البنية القتالية، وليس كملحق، خصوصًا في مجالات الاستشعار، والقيادة والسيطرة، والحرب الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي، إعادة تنظيم القيادات والهياكل، لتقليل التداخل والبيروقراطية وتسريع اتخاذ القرار في الميدان، الاستثمار في التدريب المشترك والمرن، وربط الترقية بالكفاءة لا بالأقدمية فقط، تحسين منظومات الإسناد الطبي، واللوجستي، والنفسي، باعتبارها جزءًا من القوة القتالية لا عنصرًا ثانويًا.

وتابع: ثالثًا: لماذا تُعاد هيكلة الجيوش؟.. الغاية الجوهرية ليست التفكيك ولا الإضعاف، بل العكس تمامًا: لرفع الجاهزية الفعلية، لا الشكلية، وضمان القدرة على الاستجابة السريعة والمتدرجة، لتحقيق الردع الذكي، القائم على الكفاءة والدقة، لا على الاستنزاف العددي، لحماية الأمن الوطني بأدوات تناسب العصر، بدل استنزاف الموارد في نماذج تقادمت، لضمان استدامة المؤسسة العسكرية ماليًا وبشريًا، دون المساس بهيبتها أو دورها السيادي، ولأن الجيش، كأي مؤسسة سيادية كبرى، إن لم يتطور بوعي، سيتقادم رغم قوته الرمزية.

وختم الدكتور الوهادنة بقوله إن إعادة هيكلة الجيوش ليست مؤشر ضعف، بل علامة نضج استراتيجي. الدول التي تؤجلها خوفًا من الجدل أو بدافع العادة، غالبًا ما تدفع الثمن لاحقًا في الميدان أو في الاقتصاد أو في القرار السيادي. أما الدول التي تديرها بعقل ورؤية وطنية، فهي التي تحافظ على جيوش قوية، مرنة، وقادرة على حماية الدولة لا إثقالها.



&& العميد جلال العبّادي.



الخبير العسكري والاستراتيجي العميد المتقاعد جلال العبّادي قال: ركز جلالة الملك عبدالله الثاني في الرسالة الهامة على ست ركائز أساسية، وجميعها تضع أسسا عملية لتطوير المنظومة العسكرية وتجعلها ملائمة لتطورات المرحلة، فنحن اليوم نريد قدرات لحروب غير تقليدية، بتنظيم غير تقليدي، مبني على الحركة ورد الفعل السريع، وتمكين القوات المسلحة من مواجهة التهديدات الحالية والمستقبلية والتغيرات المتسارعة والتحديات الناشئة التي فرضتها التطورات التكنولوجية واتساع بيئة العمليات.

وأضاف: كما ركز جلالته على حماية مراكز الثقل الاستراتيجية والعملياتية لديها، وأن توظف تقنيات الدفاع الحديثة بالشراكة بين المديريات المختصة في صنوفها ومراكز الأبحاث والدراسات التابعة لها، ومع شركات الصناعات الدفاعية المحلية والصديقة، لتمتلك منظومة قيادة وسيطرة واتصالات فاعلة وموثوقة وآمنة.

وتابع العميد العبّادي: كما تناول جلالته جانبا هاما فيما يخص تحقيق تفوق وقدرة على التنافس في مجال أو أكثر في مجالات القتال العملياتية، ووضع مجال العمليات السيبرانية الدفاعية والهجومية كأحد الأولويات التي يمكن الاستثمار فيها وبناء القدرات لتحقيق التنافسية، وتوظيف تكنولوجيا الأنظمة المسيرة والذكاء الاصطناعي على جميع مستويات وحدات القوات المسلحة.

ولفت العميد العبادي إلى أن تركيز جلالة الملك أيضا على تحديد مدة الإنجاز بثلاث سنوات، مسألة غاية في الأهمية، بشكل يضمن ويؤكد التنفيذ العملي، كما ركز جلالته على صناديق الشركات الدفاعية وضرورة التنسيق مع بعضها، وتطوير الدفاعات الجوية، والتي باتت جزءا هاما في العمل العسكري اليوم، وتناول جلالته تطوير وحدات حرس الحدود، وكذلك التأكيد على أهمية الجاهزية بأن يكون الجيش مستعدا دوما، وتناول جلالته الحديث عن الجاهزية والتعبئة وفي ذلك أهمية لخدمة العلم، ليحدث تنسيق بين القدماء والحاليين والأجيال الجديدة.

ونبّه العميد العبّادي إلى أن توجيهات جلالته واضحة وتعدّ خارطة طريق بأهداف واضحة سيتم عكسها في المنظور الميداني، بما في ذلك إعادة الهيكلة.



&& الدكتور بشير الدعجة .



من جانبه، قال الخبير الأمني والاستراتيجي د. بشير الدعجة: لم تأتِ رسالة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى رئيس هيئة الأركان المشتركة في سياق روتيني أو ضمن خطاب تقليدي لتطوير القوات المسلحة، بل يمكن قراءتها بوصفها وثيقة توجيه استراتيجي عليا تعكس انتقال الدولة الأردنية من منطق إدارة المخاطر إلى منطق بناء التفوق الاستباقي، فهي رسالة تعيد تعريف طبيعة التهديد، وشكل القوة، ووظيفة الجيش، وأدوات الردع، في بيئة إقليمية باتت أكثر سيولة وأقل قابلية للتنبؤ.

وأضاف الدكتور الدعجة: تثبيت جلالة الملك لمكانة القوات المسلحة بوصفها مؤسسة وطنية جامعة ليس مدخلًا إنشائيًا، بل خطوة محسوبة لتحصين الجبهة الداخلية قبل الشروع في أي تحول بنيوي عميق، فالتجارب المقارنة تؤكد أن أكثر من 60% من برامج إعادة الهيكلة العسكرية في الدول الهشة فشلت بسبب ضعف الحاضنة المعنوية للمؤسسة العسكرية، فيما نجحت الدول التي سبقت الإصلاح بإعادة ترسيخ الثقة بين الجيش والمجتمع، وهذه رسالة داخلية بقدر ما هي رسالة ردع للخارج بأن الجيش الأردني يتحرك من موقع قوة وثبات.

وبين الدعجة أنه عندما يوجه الملك بإعداد استراتيجية شاملة وخارطة طريق لتحقيق تحول بنيوي خلال ثلاث سنوات، فإننا أمام مؤشر عملياتي بالغ الدلالة، فثلاث سنوات في الحسابات العسكرية تمثل نافذة زمنية قصيرة نسبيا، ما يعني أن القيادة السياسية–العسكرية ترى أن التهديدات لم تعد افتراضية أو مؤجلة، بل تهديدات قريبة ومتداخلة ومتزامنة، وتشير دراسات النزاعات الحديثة إلى أن أكثر من 75% من الصراعات المسلحة بعد عام 2015 كانت صراعات هجينة وغير تقليدية، وهو ما يفسر استعجال الانتقال من نموذج الجيش التقليدي إلى نموذج الجيش متعدد المهام والبيئات.

الرسالة الملكية، وفق الدعجة، تشير بوضوح إلى أن طبيعة الحرب تغيرت، فلم تعد الحرب مواجهة جيوش نظامية على خطوط تماس واضحة، بل باتت مزيجًا من عمليات عسكرية محدودة، وهجمات سيبرانية، وضربات دقيقة بعيدة المدى، وحرب معلومات، وضغط نفسي وإعلامي على مراكز القرار والرأي العام، وهو ما تؤكده الوقائع الميدانية في أوكرانيا وغزة واليمن وسوريا، حيث أظهرت أن السيطرة على القرار والمعلومة لا تقل أهمية عن السيطرة على الأرض.

ونبّه الدعجة إلى أن حديث جلالة الملك عن إعادة هيكلة القوات المسلحة بما يتناسب مع بيئات العمليات المختلفة يعكس تحولًا في التفكير العملياتي من الدفاع الخطي إلى المناورة متعددة الأبعاد، ومن التشكيلات الثقيلة إلى الوحدات الرشيقة عالية الحركة، وتشير التقديرات العسكرية الحديثة إلى أن الوحدات الصغيرة المدعومة بالاستطلاع والذكاء الاصطناعي أصبحت تحقق تأثيرًا قتاليًا يعادل أضعاف حجمها العددي، وهو ما ينسجم مع فلسفة القوة النوعية التي أكدها الملك.

وبين الدعجة أن التركيز على الجاهزية القتالية والردع الاستراتيجي لا يعني تبني عقيدة هجومية توسعية، بل بناء قدرة تجعل كلفة أي تهديد أو مغامرة ضد الأردن أعلى من أي مكسب محتمل، فالردع الحديث لا يُقاس بعدد الدبابات والطائرات فقط، بل بقدرة الدولة على توجيه ضربة دقيقة، وسريعة، ومدروسة، وفي التوقيت الذي تختاره، مع الحفاظ على استمرارية القيادة والسيطرة، وتشير التجارب إلى أن الدول التي فقدت منظومات القيادة والسيطرة تعطلت قدرتها القتالية خلال الساعات الأولى من الصراع مهما امتلكت من سلاح.

وذكر الدعجة أن حديث جلالة الملك عن حماية مراكز الثقل الاستراتيجية والعملياتية يكشف فهمًا عميقًا لمعادلات القوة الحديثة، فمراكز الثقل اليوم تشمل القيادة السياسية، القيادة العسكرية، البنية التحتية الحيوية، شبكات الطاقة والمياه، الاتصالات، الاقتصاد، والمعنويات العامة، وتشير تقارير أمنية دولية إلى أن أكثر من 40% من الهجمات في النزاعات الحديثة استهدفت بنى تحتية مدنية ذات طابع استراتيجي لإرباك القرار وإضعاف الجبهة الداخلية.

وأشار الدكتور الدعجة إلى أن وضع العمليات السيبرانية الدفاعية والهجومية ضمن الأولويات يمثل قفزة استراتيجية محسوبة، فالفضاء السيبراني أصبح ساحة قتال قائمة بذاتها، وتُقدّر الخسائر الاقتصادية العالمية الناتجة عن الهجمات السيبرانية بأكثر من 8 تريليونات دولار سنويا، كما أن دولًا محدودة الموارد استطاعت عبر الاستثمار في هذا المجال تحقيق تفوق غير متماثل على خصوم تقليديين، وهو ما ينسجم مع إدراك القيادة الأردنية لطبيعة الصراع غير المتكافئ.

أما التركيز على الأنظمة المسيرة والذكاء الاصطناعي، وفق الدعجة، فهو استثمار في مستقبل الحروب، إذ أظهرت النزاعات الأخيرة أن الطائرات المسيرة التي لا تتجاوز كلفتها عشرات الآلاف من الدولارات استطاعت تدمير منظومات دفاعية بملايين الدولارات، ما يعيد تعريف معادلة الكلفة والعائد في الحرب، ويمنح الجيوش الذكية أفضلية حاسمة دون استنزاف الموارد البشرية.

وأكد الدعجة أن إدماج قوات الاحتياط، وحرس الحدود، والدرك، والشرطة الخاصة، ضمن تصور تعبوي واحد يعكس وعيًا بأن التهديدات قد تكون مركبة، تبدأ بضغط على الحدود، وتترافق مع محاولات زعزعة داخلية، وتستهدف إرباك منظومة الأمن الشامل، وهو سيناريو أثبت حضوره في أكثر من دولة خلال العقد الأخير، ما يجعل التكامل بين المؤسسات الأمنية شرطًا أساسيًا للصمود.

وفيما يتعلق بالصناعات الدفاعية، يقول الدعجة إن إعادة توجيه دور المركز الأردني للتصميم والتطوير ليكون نواة بحث وتصنيع يمثل قرارًا سياديًا بامتياز، فالدول التي امتلكت قدرة ذاتية على التطوير والتصنيع استطاعت الحفاظ على استقلال قرارها العسكري حتى في أوقات الأزمات والحصار، بينما عانت دول أخرى من شلل عملياتي بسبب تعطل سلاسل التوريد.

وأضاف الدعجة: أما الحديث عن الحوكمة وإعادة هيكلة الصناديق والشركات الاستثمارية، فهو إدراك بأن القوة العسكرية الحديثة لا تقوم فقط على السلاح، بل على الإدارة الرشيدة، والانضباط المؤسسي، والشفافية، وأن أي خلل في البيئة الخلفية للمؤسسة العسكرية ينعكس مباشرة على كفاءتها وسمعتها واستدامتها.

وختم الدعجة بقوله: نحن أمام رسالة تؤسس لعقيدة أمنية قوامها الاستباق، والتكامل، والتفوق النوعي، وإدارة الصراع لا انتظار انفجاره، رسالة تقول إن الأردن يقرأ التحولات بعمق، ويبني قوته بعقل بارد، ويعيد تشكيل جيشه ليبقى قادرًا على حماية الدولة، وردع التهديدات، وصون الاستقرار في إقليم مضطرب، وهي رسالة موجهة بقدر ما هي للداخل، إلى كل من يفكر باختبار الدولة الأردنية أو المساس بأمنها.

ــ الدشتور

مواضيع قد تهمك