الأخبار

اسماعيل الشريف : إسرائيل الكبرى

اسماعيل الشريف : إسرائيل الكبرى
أخبارنا :  

سيبقى الأمر جيدًا إذا أخذتها كلها مايك هاكابي، السفير الأمريكي لدى الكيان.

منذ أن فتحنا أعيننا على هذه الدنيا، كان مصطلح «إسرائيل الكبرى» يتردد في أسماعنا، فكنا نراه فكرة مستحيلة، أقرب إلى خيال سياسي يتدثر بعباءة دينية؛ إذ يتصادم مع القانون الدولي، ويستفز ضمير العالم، وستتصدى له الدول العربية بالدماء. غير أن ما نشهده اليوم يوحي بأن هذه الفكرة لم تعد ضربًا من الخيال، بل غدت أقرب إلى الواقع مما نظن، حتى إن الدول العربية، وفي مقدمتها الأردن، باتت تتعامل معها بجدية بالغة.

في مقابلة للسفير الأمريكي لدى الكيان، مايك هاكابي، صدر للمرة الأولى عن مسؤول أمريكي رفيع تأييدٌ صريح لفكرة «إسرائيل الكبرى»، وذلك خلال حواره مع الصحفي الأمريكي الشهير تاكر كارلسون، حيث أبدى توافقًا مع التفسير التوراتي لحدود الكيان الممتدة من النيل إلى الفرات.

ورغم أن هذا التصريح وُصف لاحقًا بالمبالغة، فإن أصداءه بدأت تتردد بالفعل؛ فخطاب الساسة لا يُولد في الفراغ، ولا سيما حين يصدر عن شخصية تقف في قلب مطبخ القرار السياسي، وقريبة من الرئيس الأمريكي ترامب. وهو في الوقت ذاته يمثل تيارًا أيديولوجيًا نافذًا داخل السياسة الأمريكية، يرى في الكيان ما هو أبعد من مجرد حليف استراتيجي، بل يعتبره جزءًا من سردية دينية متجذرة في النبوءات التوراتية.

ولا يعنينا ما يعتنقه هاكابي من قناعات شخصية بقدر ما يعنينا السؤال الأخطر: هل سيتحول هذا الإيمان إلى ركيزة ضمن الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة، بما يقود حتمًا إلى إعادة رسم خرائطها ونسف استقرارها؟

من هنا جاء الرد الأردني والعربي سريعًا وموحدًا، فيما سارعت المنظمات العربية، وفي مقدمتها جامعة الدول العربية، إلى التحذير من أن مثل هذا الخطاب يهدد استقرار الإقليم ويشكل انتهاكًا صريحًا للقانون الدولي.

وتدرك الدول العربية أن مصطلح «إسرائيل الكبرى» لم يعد طرحًا نظريًا أو شعارًا أيديولوجيًا، بل باتت ملامحه تتشكل على الأرض؛ فجيش الاحتلال يفرض سيطرته على معظم غزة، وتتصاعد التهديدات باحتلالها وإعادة الاستيطان فيها. وفي الضفة الغربية تجري حملة ممنهجة لا تخفى على أحد، توصف بأنها تطهير عرقي، بالتوازي مع احتلال أجزاء من جنوب لبنان وجبل الشيخ. أما الجولان فقد أُدمج فعليًا في الكيان، كما ضُمّت الضفة الغربية، واتُّخذ قرار ببناء مستوطنات في غور الأردن، في سياق يعيد رسم الوقائع قبل الخرائط.

وتتزامن هذه التطورات مع تصاعد تصريحات مجرم الحرب نتن ياهو عن «إعادة تشكيل الشرق الأوسط» وهندسة تحالفات تمتد من البحر الأبيض المتوسط إلى الخليج العربي، متجاوزة القضية الفلسطينية ومُحيلةً إياها إلى الهامش. كما تحدث عن تعاون يضم دولًا عربية وأوروبية، بينها اليونان وقبرص والهند، في إطار مواجهة ما يسميه تهديدات إقليمية، بما يعكس تصورًا لإقليم يُعاد رسمه وفق تحالفات جديدة ومعادلات مختلفة.

وقد يسلك الكيان مسارًا من هذا القبيل، فيتحول إلى القوة المركزية في الإقليم من دون حاجة إلى إعادة رسم الخرائط بصورة جذرية؛ وعندها قد تتجسد فكرة «إسرائيل الكبرى» لا بوصفها تغييرًا معلنًا للحدود، بل واقعًا تُكرّسه موازين القوة ومعادلات النفوذ.

ومع ذلك، لن يتمكن الكيان من بلوغ أيٍّ من أهدافه ما لم يحظَ بقبول ودعم أمريكي؛ فالولايات المتحدة هي من تمدّه بالسلاح والمال وتوفر له الغطاء الدبلوماسي، ومن دون هذا الإسناد تبقى طموحات «إسرائيل» مجرد حبر على ورق. لذلك يعمل الكيان على تقليص اعتماده المالي على واشنطن قدر المستطاع، عبر توسيع صادراته من السلاح والذخائر، وبناء شبكة من التحالفات الإقليمية تعزز استقلالية قراره وتدعم نفوذه.

صحيح أن تصريحات هاكابي، التي تعبر عن تيار أيديولوجي نافذ داخل السياسة الأمريكية، تمارس ضغطًا على دوائر القرار، غير أن هذه الضغوط لا تتحرك في فراغ؛ فهناك اعتبارات موازية تفرضها علاقة الولايات المتحدة بالدول العربية، التي تشكل شريكًا أساسيًا في ضمان أمن الطاقة، وترسيخ الاستقرار الإقليمي، وتأمين الممرات المائية، ومواجهة إيران، ومنافسة الصين. ولا يبدو أن واشنطن تميل إلى تمكين الكيان من بسط سيطرته على المنطقة بأسلوب صادم ومباشر، بل ترجح اعتماد سياسة اندماج تدريجي وهادئ عبر الاتفاقيات والمبادرات الاقتصادية، حيث يتحول النفوذ إلى قوة، وتتحول القوة بدورها إلى واقع جديد يُفرض بمرور الوقت.

ويعلّمنا التاريخ أن الاحتلال إذا طال أمده تحوّل تدريجيًا إلى حدود يُراد لها أن تكتسب شرعية الاعتراف؛ يبدأ بتوسع متدرج، تعقبه اعتراضات دبلوماسية باهتة، ثم يتسلل القبول شيئًا فشيئًا، حتى تغدو الوقائع الجديدة أوضاعًا دائمة يصعب اقتلاعها. كما يعلّمنا أن التحولات الجيوسياسية الكبرى لا تنفجر فجأة، بل تنضج على مهل عبر تغييرات عميقة ومتراكمة؛ فأحداث كانت تُعد مستحيلة، كانهيار الاتحاد السوفييتي أو صعود الصين، لم تكن سوى حصيلة مسارات طويلة من التحول. وبالقياس ذاته، تشهد المنطقة تحولات بنيوية لافتة: تفوق عسكري صهيوني غير مسبوق، تفكك وضعف في صفوف خصومه، دعم أمريكي واسع، حاضنة أيديولوجية مؤثرة داخل الولايات المتحدة، واتساع في الشراكات الاقتصادية والأمنية. وعندما تتكامل هذه العناصر، فإن التفوق الإقليمي لا يبقى احتمالًا نظريًا، بل يتحول إلى واقع قائم. ــ الدستور

مواضيع قد تهمك