الأخبار

رومان حداد : بين الفوضى والنظام الإقليمي..شرق أوسط جديد يتشكل

رومان حداد : بين الفوضى والنظام الإقليمي..شرق أوسط جديد يتشكل
أخبارنا :  

منذ أكثر من قرن، لم يكن الشرق الأوسط مجرد توصيف جغرافي، بل إطاراً سياسياً واستراتيجياً تمت صياغته في سياقات دولية، وهو ما أدى إلى إعادة إنتاجه عبر الحروب والتحالفات مرات عدة، واليوم، مع تصاعد التحولات الإقليمية والدولية، يعود السؤال بقوة، هل نحن أمام إعادة تشكيل حقيقية للشرق الأوسط، وإذا كان الأمر كذلك، فهل سيؤدي ذلك إلى تغيير مفهومه ذاته، أم أننا سنبقى أمام الجغرافيا نفسها بأسماء وتحالفات مختلفة؟

 

حين أتحدث عن إعادة تشكيل الشرق الأوسط لا أقصد تغيير حدوده السياسية فقط، بل أقصد إعادة تعريف موقعه في النظام العالمي ووظيفته الاقتصادية وطبيعة شبكات التحالف داخله، فخلال العقود الماضية، ارتبط مفهوم الشرق الأوسط بالصراع العربي الإسرائيلي وبأمن الطاقة وبالاستقطاب بين محاور دولية وإقليمية متنافسة، أما اليوم، فإن عناصر جديدة تدخل المعادلة، مثل الاقتصاد الرقمي وسلاسل الإمداد العالمية، والممرات التجارية البديلة، إضافة إلى أدوار متزايدة لقوى غير عربية داخل هذا الفضاء الإقليمي.

ما يحدث اليوم من تكسير لقواعد التشكل الخاصة بهذه المنطقة وهذا الإقليم، يمكن أن يقفز سؤال جوهري لفهم المرحلة المقبلة، وهو هل الفوضى شرط لإعادة التشكيل؟

التجارب التاريخية البشرية تشير إلى أن التحولات الكبرى في الإقليم غالباً ما جاءت بعد صدمات عنيفة؛ من الحرب العالمية الأولى التي أفرزت خرائط جديدة، إلى الغزو الأميركي للعراق الذي فتح الباب أمام إعادة توزيع موازين القوى، وصولاً إلى تداعيات ما عرف جزافاً بالربيع العربي.

غير أن الفوضى، في هذه الحالات لم تكن هدفاً بحد ذاتها، بل غالباً ما كانت أداة غير تقليدية لإعادة تشكيل المنطقة والإقليم، خصوصاً في ظل عدم التوافق الإقليمي والدولي على شكل المنظومة الجديدة، وحين يتراجع النظام القديم دون وجود بديل متفق عليه، تنشأ حالة سيولة تتجلى على شكل فوضى تقودها صراعات داخلية وتنافس إقليمي وتدخلات خارجية، حتى تستقر المعادلة الجديدة.

وقد ترافق الفوضى الظاهرة حالة من إعادة هندسة هادئة غير معلنة، عبر مسارات تطبيع تدريجي وشبكات مصالح اقتصادية عابرة للحدود وتحالفات مرنة لا تقوم على الاستقطاب الحاد، وفي هذه الحالة يصبح الاقتصاد مدخلاً لإعادة تنظيم التحالفات في المنطقة وإعادة تعريف مفهوم الشرق الأوسط عملياتياً، وتتحول الأولويات من الصراعات الصفرية إلى إدارة المصالح المتبادلة، دون أن يعني ذلك انتهاء التوترات بالكامل.

هذه التحولات الجذرية في الأقاليم تحتاج إلى أقل من عقد تقريباً كي تستقر وتنتج نظاماً جديداً قابلاً للاستمرار، شريطة عدم تبدل أولويات القوى الكبرى بين آسيا وأوروبا والشرق الأوسط، لأن الاستقرار الحقيقي يأتي عبر ترسيخ قواعد اللعبة الجديدة التي تحظى بقبول نسبي من الفاعلين الأساسيين.

قد يذهب البعض أن من الشروط الرئيسة لتشكل شرق أوسط جديد وجود توازن قوى إقليمي يمنع الهيمنة المطلقة لأي طرف، ويخلق حوافز للتسويات بدل المواجهة الدائمة، ومعالجة الأزمات المزمنة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، بوصفها عاملاً مؤثراً في شرعية أي نظام إقليمي جديد.

إلا أن هذا الشرطان قد لا يكونان ضروريين لتشكيل الشرق الأوسط الجديد، فالتوازن الضروري هو الكافي لمنع إسرائيل من التفكير الجدي بشن حرب ضد دولة من دول الإقليم، وهو ما قد يأتي من خلال ضمانات أميركية، حيث تكفي الضمانة الاميركية للحفاظ على خطوط عامة للاستقرار ومنع أن يتحول الإقليم إلى ساحة صراع مفتوح بين القوى الكبرى.

ولكن لتحقيق الانتقال النوعي في مفهوم ودور الشرق الأوسط، فإنه لا بد من إدماج البعد الاقتصادي كركيزة مركزية في إعادة البناء، بما يشمل مشاريع تكامل إقليمي وربط البنى التحتية وتعزيز الاستثمار العابر للحدود.

الأردن، وبحكم موقعه الجغرافي ودوره التاريخي، سيكون جزءاً من أي صياغة جديدة لإقليم الشرق الأوسط، وستحدد قدرته على التكيف مع التحولات وتعزيز استقراره الداخلي والانخراط في شبكات اقتصادية إقليمية موقعه في النظام المتشكل.

ورغم أن عملية إعادة تشكيل الشرق الأوسط قد تؤدي إلى تغيير في مفهومه، لكنها لن تمحو تعقيداته، والفوضى التي نتلمس ملامحها الآن قد تكون مرحلة عابرة، ولكنها ليست الممر الحتمي الوحيد لتشكيل الشرق الأوسط الجديد، وعلى جميع الأطراف أن تدرك أن إعادة تعريف الشرق الأوسط لا تنجز بالتصريحات، بل بتراكم الوقائع وترسيخ توازنات جديدة، وبعد السابع من أكتوبر 2023 لم يعد السؤال: هل سيتغير الشرق الأوسط؟ بل أصبح السؤال أي شرق أوسط سيولد من رحم هذه المرحلة؟

مواضيع قد تهمك