أ. د. ليث كمال نصراوين : نحو ترسيخ ثقافة الرقابة الدستورية
أصدرت المحكمة الدستورية قبل أيام حكمها رقم (2) لسنة 2026، الذي انتهت فيه إلى رد الطعن المقدم بعدم دستورية المادة (191) من قانون الأحوال الشخصية رقم (15) لسنة 2019 شكلا، وذلك لعدم صحة الوكالة التي استند إليها الطاعن لغايات الدفع بعدم الدستورية، إذ لم تتضمن تفويض الوكيل تقديم هذا الدفع، وبالتالي أصبح الطعن مقدما ممن لا يملك حق تقديمه.
ولا يمثل هذا القرار اجتهادا مستحدثا للمحكمة الدستورية، بل يأتي امتدادا لنهج قضائي مستقر درجت عليه منذ سنوات، مؤداه أن الدفع بعدم الدستورية، وإن أثير أمام محكمة الموضوع، يبقى في حقيقته طعنا غير مباشر يستهدف النص التشريعي ذاته، وقد يفضي إلى إعلان بطلانه وإخراجه من المنظومة القانونية. ومن ثم فإن هذا الإجراء لا يندرج ضمن الأعمال الإجرائية العادية في الخصومة، بل يتطلب تفويضا خاصا في الوكالة يجيز للمحامي سلوك هذا الطريق القانوني.
وفي هذا السياق، سبق للمحكمة الدستورية أن قضت في حكمها رقم (5) لسنة 2013 برد الطعن المقدم بعدم دستورية قانون الانتخاب لعام 2012 بسبب عدم دفع الرسوم، ولعدم تضمين الوكالة المعطاة من المستدعي نصا خاصا وصريحا يفوض بمقتضاه وكيله الطعن بعدم الدستورية. ورغم مرور سنوات على استقرار هذه القواعد الشكلية في القضاء الدستوري، لا تزال القرارات تصدر برد الطعون المحالة شكلا بسبب عدم التقيد بها ومخالفتها، وهو ما يعكس أن الإشكالية لا تكمن في وضوح القاعدة، بل في ضعف الالتزام بها.
ومن جهة أخرى، شهد القضاء الدستوري في الأردن تعديلات جوهرية على آلية عمله في عام 2022، استهدفت تبسيط إجراءات الطعن من خلال إلغاء الدور الذي كانت تضطلع به محكمة التمييز في تصفية الدفوع المحالة إليها من محاكم الموضوع والتحقق من توافر شرطي المصلحة والجدية، لتصبح الإحالة مباشرة من المحاكم الأردنية إلى المحكمة الدستورية. وقد كان الهدف من هذه التعديلات إزالة بعض الحلقات الإجرائية وتسريع الفصل في المسائل الدستورية وتكريس حضور المحكمة الدستورية في بنية النظام القضائي.
غير أن هذا التبسيط التشريعي لا يمكن أن يحقق الغاية المرجوة منه ما لم يواكبه ترسيخ للمبادئ القانونية الأساسية التي تقوم عليها عملية الرقابة الدستورية ومتطلباتها الإجرائية. فالدفع بعدم الدستورية لا يعد وسيلة دفاع تقليدية، بل طريق استثنائي قد يترتب على سلوكه بطلان نص تشريعي نافذ، بما لذلك من آثار عامة تتجاوز حدود الخصومة القضائية الفردية. وبالتالي فإن اشتراط نص صريح في الوكالة لا يعد تشددا شكليا، وإنما يمثل ضمانة لصون استقرار المنظومة القانونية وتنظيما لاستخدام هذه الأداة الدستورية.
وهنا تتجلى مفارقة واضحة، فالمشرع الدستوري يقر تعديلات على منظومة عمل المحكمة الدستورية بقصد تعزيز فعاليتها، في حين تتعثر الرقابة القضائية في بعض الحالات بسبب نقص في صياغة الوكالة القانونية. وهذا يدل على أن تعزيز الرقابة الدستورية لا يتحقق فقط من خلال تجويد النصوص وتطوير الآليات، بل يتطلب أيضا ترسيخ ثقافة دستورية لدى المحامين والموكلين وسائر المتقاضين، إذ يقع على عاتقهم الإسهام في تفعيل إحدى أهم أدوات حماية سمو الدستور.
وفي مقابل هذه الملاحظة الشكلية، برزت في القرار ذاته نقطة مؤسسية إيجابية تتمثل في كونه فصلا في طعن دستوري أحيل من إحدى المحاكم الشرعية، حيث قام القاضي الشرعي باستلام الدفع والتحقق من توافر شرطي المصلحة والجدية وإصدار قرار الإحالة إلى المحكمة الدستورية. وهذه سابقة لافتة، إذ تعد من الحالات القليلة التي يمارس فيها قاض في محكمة دينية صلاحية إحالة دفع بعدم الدستورية إلى الجهة المختصة.
فقد اعتدنا أن تحال الدفوع إلى المحكمة الدستورية من قضاة نظاميين أو من محاكم خاصة، أما اتساع نطاق هذا الإجراء ليشمل المحاكم الشرعية، فيعكس وعيا متناميا لدى القضاة على اختلاف محاكمهم بأهمية الرقابة الدستورية وضرورة التحقق من احترام القوانين لأحكام الدستور بصرف النظر عن طبيعة التشريع وارتباطه الديني. فسمو الدستور يعلو على جميع أنواع القوانين التي يفصل بها القضاء، سواء أكان نظاميا أم شرعيا.
وبذلك فإن إحالة الدفع من محكمة شرعية تؤكد أن الرقابة الدستورية ليست شأنا محصورا بالمحاكم النظامية والخاصة، بل هي إطار جامع للنظام القضائي بأكمله. كما تعكس اندماج القضاء الشرعي في المنظومة الدستورية العامة وتفاعله مع آلياتها الرقابية، بما يرسخ فكرة أن حماية سمو الدستور مسؤولية مشتركة بين جميع جهات القضاء.
غير أن هذه الإيجابية المؤسسية اصطدمت بعقبة شكلية تتعلق بصحة الوكالة، فانتهى الطعن قبل أن تتمكن المحكمة الدستورية من البحث في جوهره، وهو ما يعيدنا إلى الفكرة المركزية التي يثيرها هذا القرار، وهي الحاجة المستمرة إلى ترسيخ ثقافة الرقابة الدستورية بوصفها شرطا لفاعليتها.
* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية
ــ الراي
laith@lawyer.com