رمزي الغزوي : أوكرانيا ورقة تفاوضية
عندما اندلعت الحرب الروسية الأوكرانية قبل أربع سنوات، لم تكن مجرد معركة إقليمية على الحدود، بل كانت إعلانًا لعصر جديد من الصراعات، حيث لم يعد النزال مواجهة عسكرية فقط، إنما لعبة معقدة تُحاك فيها المصالح بين القوى الكبرى، فيما تدفع أوكرانيا الثمن الأكبر من دماء أبنائها ومستقبلهم.
لم يكن الغزو الروسي خطوة عابرة، إنما امتدادا لطموحات تاريخية دفينة، حيث تسعى موسكو إلى استعادة مناطق نفوذها وتثبيت أقدامها كقوة عظمى قادرة على تحدي الغرب. وفي المقابل، لم تكن الولايات المتحدة وحلفاؤها بعيدين عن هذا الصراع، فدعمهم لأوكرانيا لم يكن محض تعاطف، بل جزءًا من مخطط استراتيجي طويل المدى يهدف إلى استنزاف روسيا وإضعافها، دون التورط المباشر في المواجهة.
لكن في خضم هذا الصراع الدموي، تبرز الحقيقة القاسية: أوكرانيا ليست سوى ورقة مساومة في أيدي الكبار. ففيما تتحدث العواصم عن الدعم غير المحدود، تظل الأسلحة تصل وفق شروط، والدبلوماسية تُمارَس بمنطق المصالح، وليس بمنطق العدالة. تصريحات ترامب تكشف هذا الواقع بوضوح حين قال «لو أراد بوتين أخذ أوكرانيا لحصل عليها بالكامل»، وكأن الأمر لا يتجاوز لعبة تفاوضية يمكن لزيلينسكي أن يخوضها أو يخسرها، دون أن يكون لمصير شعبه أي وزن حقيقي في المعادلة.
في هذه الحرب، الأرقام تتحدث بلغة الخراب. أكثر من مليوني قتيل من الطرفين ومدن تحولت إلى أنقاض، لكن خلف كل رقم هناك وجوه، عائلات مفجوعة، وأحلام لم يعد لها مكان في الحاضر. وبينما يتفاوض الساسة، هناك من يعيش كل يوم تحت القصف، هناك أطفال لم يعرفوا سوى الحرب، وشباب لم يسألهم أحد عما إذا كانوا يريدون أن يكونوا جنودًا في حرب أكبر من أحلامهم.
اليوم، تتسارع الخطى نحو «صفقة» لإنهاء الحرب على الطريقة الترامبية. لكن أي سلام سيأتي؟ روسيا تريد ضمان مكاسبها، وأميركا لا تبحث إلا عن نفوذها الاقتصادي، وأوروبا تقف بين الخوف من التصعيد ورغبتها في حماية مصالحها، بينما أوكرانيا نفسها لا تملك رفاهية القبول أو الرفض. إن كان الحل القادم مجرد توزيع للغنائم بين القوى الكبرى، فلن يكون إلا هدنة مؤقتة قبل انفجار جديد، فالحروب لا تنتهي عندما يصمت السلاح، بل عندما يشعر الناس أن السلام ليس مجرد اسم آخر للهزيمة.