د. انس عضيبات : المرأة الخارقة وهم التوفيق بين الطموح المهني والواجبات المنزلية
تستيقظ في الفجر، تُعد الإفطار، تراجع دروس الأبناء، ثم ترتدي زيّها الرسمي لتتحول إلى موظفة طموحة تواجه تحديات السوق، وهذا المشهد اليومي ليس مجرد روتين، بل هو تجسيد لأسطورة "المرأة الخارقة" التي روجت لها الثقافة المعاصرة، ولقد تم إقناع المرأة بأن النجاح الحقيقي يكمن في قدرتها على إدارة "المملكتين" بكفاءة متساوية، دون أن تدرك أنها بصدد الدخول في سباق مع الزمن، حيث خط النهاية ليس سوى استنزاف كامل لطاقتها النفسية والجسدية.
وبين مطرقة التوقعات الاجتماعية التقليدية وسندان الطموح المهني الجامح، تعيش المرأة في حالة دائمة من "تأنيب الضمير"، فإذا أبدعت في عملها، شعرت بالتقصير تجاه منزلها، وإذا منحت عائلتها الأولوية، شعرت بأن قطار التطور المهني يفوتها، وهذا التمزق بين الأدوار يؤدي إلى تآكل تدريجي للهوية الشخصية؛ إذ تتحول المرأة من كيان له احتياجاته الخاصة إلى "محرك" يعمل لتلبية احتياجات الآخرين، مما يجعل مصطلح "التوفيق" مجرد وهم نظري يصطدم بواقع عملي مرير.
وخلف الابتسامة التي تظهر في اجتماعات العمل، والصبر الذي تبديه في تربية الأبناء، يختبئ "احتراق نفسي" صامت، حيث تشير الدراسات الاجتماعية إلى أن النساء يتحملن ما يسمى بـ "العبء الإدراكي" أو المهام الخفية (مثل التخطيط للوجبات، تذكر مواعيد الطبيب، وإدارة الحالة العاطفية للأسرة)، وهو عبء لا يُرى ولا يُقدر غالباً، وهذا الضغط المستمر لا يؤثر فقط على الصحة النفسية، بل يمتد لينعكس على جودة العلاقة الزوجية والقدرة على الإبداع المهني، مما يحول الحياة إلى سلسلة من الواجبات الثقيلة.
كما إن المشكلة لا تكمن في قدرات المرأة، بل في هيكلية المجتمع التي لا تزال تنظر إلى العمل المنزلي كمسؤولية حصرية للمرأة، حتى وإن كانت شريكة في إعالة الأسرة مادياً، كما إن العقلية الذكورية التي تتباهى بنجاح المرأة في العمل، لا تلبث أن تحاسبها بصرامة إذا غاب "اللمعان" عن تفاصيل بيتها، وهذا التناقض يضع المرأة تحت مجهر الرقابة الدائمة، ويجعل من طموحها المهني وكأنه "تجاوز" يجب التكفير عنه بمزيد من التضحية المنزلية.
ولقد حان الوقت لتمزيق عباءة "المرأة الخارقة" واستبدالها بمفهوم "التوازن الواقعي"، فالتوازن لا يعني القيام بكل شيء بنسبة 100% في وقت واحد، بل يعني الاعتراف بالحدود الإنسانية وطلب المساعدة، كما يتطلب الأمر شجاعة لقول "لا" لبعض التوقعات، وقدرة على التفاوض داخل الأسرة لإعادة توزيع المهام بشكل عادل كما أن النجاح لا يُقاس بالكمالية، بل بجودة الحياة والسلام الداخلي الذي تشعر به المرأة وهي تمارس أدوارها المختلفة.
كما إن التوفيق بين المهنة والمنزل ليس قضية نسوية فحسب، بل هو ضرورة اجتماعية تتطلب تغييراً في سياسات العمل (مثل مرونة الساعات وحضانات الأطفال) وتغييراً في الوعي الجمعي للرجل والشريك، ولن تتحرر المرأة من وهم "الخارقة" إلا إذا آمن المجتمع بأن الأسرة مسؤولية تشاركية، وأن طموح المرأة حق أصيل وليس رفاهية تُقايض براحتها عندها فقط، سيكف "التوفيق" عن كونه وهماً، ليصبح واقعاً يتنفس فيه الجميع بكرامة وهدوء.