الأخبار

د. ميشلين ظاهر نويصر : السياحة العلاجية: بين أخلاقيات المهنة وانعكاسها على الاقتصاد الوطني

د. ميشلين ظاهر نويصر : السياحة العلاجية: بين أخلاقيات المهنة وانعكاسها على الاقتصاد الوطني
أخبارنا :  

ثقة الناس في نظامهم الصحي هي أساس أي مجتمع قوي، فالطب رسالة إنسانية قبل أن يكون مهنة أو قطاعاً اقتصادياً، وصحة الإنسان أغلى ما نملك. وقد استطاع الأردن عبر سنوات طويلة أن يرسّخ مكانته كوجهة طبية مرموقة في المنطقة، حتى أصبحت السياحة العلاجية إحدى العلامات المضيئة في صورته الخارجية. هذه المكانة لم تأتِ صدفة، بل تأسست على كفاءة طبية مشهودة، وانضباط مهني، وإيمان عميق بأن المهنة الصحية ترتكز على أخلاقيات واضحة وراسخة.

غير أن الحفاظ على هذه السمعة يتطلب يقظة دائمة ومراجعة مستمرة ومن باب الحرص لا الاتهام، يبرز الحديث عن بعض الممارسات التي يُتداول بشأنها، والمتعلقة بتوجيه المرضى إلى جهات محددة من مراكز تصوير أو مختبرات أو صيدليات، في ظل ما يُثار أحياناً حول وجود مصالح متبادلة أو ترتيبات غير معلنة. ورغم أن هذه الممارسات إن وُجدت تبقى فردية ولا تمثل القطاع الصحي بأكمله، إلا أن أثرها المعنوي قد يكون أوسع من نطاقها الفعلي، لأن الثقة بطبيعتها حساسة وسريعة التأثر.

القضية لا تتعلق بصورة الأردن في الخارج فحسب، بل تمس أولاً حق المواطن في علاج نزيه وشفاف. فالإنسان هو أغلى ما نملك، وصحته ليست مجالاً للمساومة أو الربح.

الطب لا يجوز أن يتحول إلى تجارة، ولا أن يُختزل في حسابات الربح والخسارة، لأن نتائجه تمس حياة الانسان بشكل مباشر، المريض الذي يدخل عيادة أو مستشفى يجب أن يطمئن إلى أن كل فحص أو تحويل أو وصفة طبية صدرت انطلاقاً من حاجة صحية حقيقية فقط، لا لأي اعتبار آخر.

إن العلاقة بين الطبيب والمريض تقوم على أمانة أخلاقية عميقة، أساسها الإخلاص العلمي والنزاهة المهنية وأي شبهة تضارب في المصالح، حتى وإن كانت محدودة، تُضعف هذا الأساس. لذلك فإن ترسيخ ثقافة الإفصاح والوضوح داخل المؤسسات الصحية يشكل خطوة مهمة نحو حماية المهنة ذاتها قبل حماية المريض، فالطبيب الملتزم لا يخشى الشفافية، بل يرى فيها تعزيزاً لمكانته وثقة مجتمعه به.

ومن هنا يبرز الدور الحيوي الذي تضطلع به وزارة الصحة الأردنية في تعزيز الرقابة الفاعلة، وتحديث الأنظمة، وضمان وجود آليات واضحة تمكّن المواطن من تقديم شكواه بسهولة، واتخاذ إجراء مباشر عند أي تجاوز. فالمساءلة ليست تشكيكاً بالمهنة، بل حماية لها، كما أن تطوير قنوات الشكاوي وتسريع إجراءات النظر فيها يمنح المواطن شعوراً بالعدالة، ويؤكد أن كرامة الإنسان وصحته فوق أي اعتبار إداري أو تجاري.

السياحة العلاجية تظل رافداً مهماً من روافد الاقتصاد الوطني، لكنها لن تزدهر إلا إذا استندت إلى أساس أخلاقي متين، فالقيمة الحقيقية لهذا القطاع لا تقاس فقط بعدد المرضى القادمين من الخارج، بل بمدى التزامه بالمعايير المهنية والإنسانية التي تمنحه مصداقيته وعندما يكون القطاع الصحي مثابرا على مصداقيته ينعكس ذلك تلقائياً على صورة الأردن في الخارج.

كما أن الاقتصاد الوطني في جوهره يقوم على الثقة؛ ثقة المستثمر، وثقة المواطن، وثقة الزائر وأي خلل في أحد القطاعات الحيوية، خصوصاً القطاع الصحي، قد يترك أثراً يتجاوز حدوده المباشرة. لذلك فإن تعزيز أخلاقيات المهنة، وتشديد أدوات الرقابة، والتأكيد على مبدأ عدم تضارب المصالح، كلها خطوات تصب في حماية الاقتصاد بقدر ما تحمي الطب.

كما أن من الضروري الإشارة إلى أن أخلاقيات المهنة الطبية لا تُصان فقط عبر النصوص القانونية، بل عبر ثقافة مؤسسية واضحة تعزز قيم النزاهة والاستقلالية المهنية. فحين يشعر الطبيب أن بيئته المهنية تقوم على الشفافية والوضوح والمساءلة العادلة، فإن احتمالية الانزلاق نحو أي تضارب مصالح تتضاءل تلقائياً. ولذلك فإن الاستثمار الحقيقي في القطاع الصحي لا يكون فقط في الأجهزة والمستشفيات، بل في ترسيخ منظومة قيم تحمي المهنة من الداخل.

إن وجود تعليمات واضحة تنظم العلاقة بين الطبيب والجهات المساندة، وتمنع أي شبهة تعارض في المصالح، يسهم في تعزيز الثقة العامة، ويمنح المريض شعوراً بأن قراره الطبي مستقل بالكامل. كما أن إتاحة قنوات تواصل مباشرة وفعالة بين المواطن والجهات الرقابية تعزز الإحساس بالأمان، وتؤكد أن كرامة الإنسان وصحته فوق أي اعتبار.

في نهاية المطاف، يبقى الطب رسالة إنسانية سامية قبل أن يكون مهنة أو قطاعاً اقتصادياً وصحة الإنسان ليست مجالاً للربح أو المقايضة، بل أمانة أخلاقية تمس حياة الناس. إن تحويل العلاقة الطبية إلى معادلة تجارية يضعف جوهر المهنة ويقلل الثقة التي بُني عليها هذا القطاع. إن حياة الإنسان في الأردن أغلى من أي عمولة، وأسمى من أي مصلحة عابرة. وإذا أردنا أن تبقى السياحة العلاجية عنواناً مشرّفاً، وأن يبقى الاقتصاد الوطني قوياً بثقة مواطنيه، فعلينا أن نؤكد بوضوح لا لبس فيه: أن الطب ليس تجارة، وحياة الإنسان فوق كل اعتبار.

مواضيع قد تهمك