اسماعيل الشريف يكتب : الكوميدي المجرم
أحيانًا يكون الضحك قناعًا، لا للفرح، بل للقسوة. ألبير كامو، السقوط.
قدّمت مؤسسة هند رجب لحقوق الإنسان شكوى جزائية إلى سلطات مدينة نيويورك ضدّ كوميدي صهيوني يُدعى غاي هوخمان، كان من المقرّر أن يقدّم عرضًا في المدينة. وقد وثّقت الشكوى تورّطه في التحريض والمشاركة المعنوية في الإبادة الجماعية الجارية في غزة؛ إذ نشر بنفسه مواد تُظهر أفعالًا من بينها تفخيخ مسجد، والتحريض الصريح على الإبادة، بما في ذلك الدعوة إلى استخدام الأسلحة النووية. كما احتفى بقتل المدنيين، ودعا إلى التهجير والعقاب الجماعي وتدمير البنية التحتية، وأنكر وجود المدنيين، واستدعى خطابًا توراتيًا يتضمن الدعوة إلى «محو العماليق». وجميع هذه الوقائع مثبتة وموثّقة على صفحاته في مواقع التواصل الاجتماعي.
ومؤسسة هند رجب لحقوق الإنسان منظمة قانونية مستقلة تُعنى بتوثيق الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني، وتسعى إلى مساءلة مرتكبيها عبر الولايتين القضائيتين الدولية والوطنية. ومن أبرز إنجازاتها إعداد ملفات قانونية محكمة ومدعّمة بمواد سمعية وبصرية وشهادات موثّقة، وتقديم شكاوى جنائية في دول غربية ضد متهمين بارتكاب جرائم حرب والتحريض على الإبادة الجماعية، وهو ما أسهم في فتح تحقيقات رسمية، واحتجاز مشتبه بهم، ونقل قضايا المساءلة من هامش التغطية الإعلامية إلى مسار قانوني فعّال ومؤثّر.
لم أصدق ما قرأت حين اطّلعت على هذه القصة؛ فقد كان انطباعي الدائم أن الكوميديا، في جوهرها، تفترض صفات أخلاقية ونفسية جميلة تمكّن صاحبها من نقل الفرح إلى الآخرين ورسم الابتسامة على شفاههم. لكننا هنا أمام مفارقة صادمة: مجرم حرب بقلب مظلم، يقتل الأطفال، ثم يضحك الناس. دماء الأطفال والبيوت المدمّرة لا تترك أثرًا في نفسه؛ يتعايش مع ضميره بسلام مريب، ثم يعتلي المنصّة ليطلق النكات ويُضحك الآخرين. ولا أفهم كيف لمن يبحث عن تسلية بريئة تخفّف عنه ضغوط الحياة أن يصغي إلى نكات يطلقها عقل مختلّ وروح مريضة، لا يرى خلف قناع الابتسامة آلاف الأطفال القتلى والجرحى وصور الدمار التي خلّفتها آلة الحرب الصهيونية.
ويوثّق ملف الاتهام تصريحات هوخمان التي أدلى بها داخل غزة أثناء وجوده هناك، وصلته بالناطق باسم جيش الاحتلال، فضلًا عن تصريحاته وبثوثه التي نشرها عبر الإنترنت على المستوى الدولي، بما يكشف جملة من الوقائع الخطيرة. فمن خلال تصويره الشعب الفلسطيني بأسره بوصفه مذنبًا جماعيًا، عمل على تقويض القيود الأخلاقية والقانونية المفروضة على العنف، وتطبيع الاستهداف الواسع لجماعة محمية. وبموجب القانون الدولي، يُعدّ التحريض المباشر والعلني على الإبادة الجماعية جريمة قائمة بذاتها، بغضّ النظر عن ارتكاب المُحرِّض أفعالَ عنف مادية بنفسه.
كما يوثّق ملف المؤسسة دعم هوخمان العلني والصريح لأعمال عنف جنسي وتعذيب ارتُكبت بحق معتقلين فلسطينيين، وهو سلوك يُشكّل انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي ويستوجب المساءلة. ودافع هوخمان علنًا ومجّد عناصر «القوة 100»، وهي وحدة عسكرية صهيونية ارتكب جنودها جريمة اغتصاب بحق أسير فلسطيني أمام الكاميرا في معتقل سدي تيمان؛ فبدل إدانة الجريمة، قدّم الجناة على أنهم أبطال، مسهمًا في تطبيع العنف الجنسي وإضفاء الشرعية على التعذيب وإساءة معاملة الأسرى، في انتهاك صارخ للقيم الإنسانية والقانون الدولي.
وتمكّنت المؤسسة، بعد إعداد ملف قانوني متكامل بحق هذا المجرم تضمّن مقاطع فيديو توثّق قيامه بزرع متفجرات داخل مسجد في رفح، إلى جانب تسجيلات لتصريحاته العلنية وبثوثه الحيّة الداعية صراحةً إلى الإبادة، وغيرها من الأدلة الدامغة، من التقدّم بشكوى رسمية أسفرت عن احتجاز السلطات الكندية له في مطار تورونتو.
الحقيقة التي يحاول الكيان إخفاءها أننا أمام مجتمع كامل من المقاتلين؛ فمن يخدم فعليًا في الجيش، ومن لا يكون في الخدمة النظامية يكون ضمن قوات الاحتياط. وهذا «الكوميدي» يحمل سلاحًا يقتل به طفلًا، وفي اليد الأخرى ميكروفونًا لا يرتجف. تتحوّل الكوميديا إلى قناع يُخفي الجريمة، ويغدو الألم مادة عرض، والدم نكتة، والقتل أداءً يُطلق به طرفة تُضحك طفلًا. وقد يكون طبيبًا يحمل في يدٍ مشرطًا يُجري به عملية تُنقذ إنسانًا، وفي اليد الأخرى مشرطًا آخر يسرق به أعضاء الشهداء الفلسطينيين؛ أو فيلسوفًا يتحدّث بيدٍ عن حقوق الإنسان، وباليد الأخرى يمسك قلمًا يبرّر إبادة شعبٍ كامل.
أيُّ قرفٍ هذا؟