الأخبار

د. كميل الريحاني : تآخٍ حتى في الصيام.. صورة أردنية ناصعة للعيش المشترك

د. كميل الريحاني : تآخٍ حتى في الصيام.. صورة أردنية ناصعة للعيش المشترك
أخبارنا :  

في مشهدٍ إنسانيّ يتكرّر بعبقٍ خاص، قد يتزامن الصيام لدى المسلمين والمسيحيين في وقتٍ واحد، فتلتقي القلوب على معنى روحيّ جامع يتجاوز حدود الطقوس إلى فضاء القيم المشتركة، قيم الصبر، والزهد، والمحبة، والإحساس بالآخر. وفي الأردن تبدو هذه الصورة أكثر وضوحاً وعمقاً، حيث يعيش المسلم والمسيحي جنباً إلى جنب في نسيجٍ اجتماعيّ متماسك، يقدّم نموذجاً حيّاً للعيش المشترك القائم على الاحترام المتبادل والتآخي الصادق.

وطن يجمع ولا يفرّق

لم يكن التنوّع الديني في الأردن يوماً سبباً للفرقة، بل كان مصدرَ غنى إنسانيّ وثقافيّ يعزّز روح المواطنة الجامعة. فمنذ عقود طويلة، يتشارك أبناء الوطن الأفراح والمناسبات، وتُفتح البيوت والقلوب في شهر رمضان كما في مواسم الصيام المسيحي، في مشهدٍ يعكس وحدة الشعور قبل وحدة المكان.

وهكذا يتحوّل الصيام، على اختلاف تقاليده، إلى لغة روحية مشتركة تُذكّر الإنسان بضعفه وحاجته إلى الرحمة، وتدعوه إلى مزيدٍ من العطاء والتسامح.

قيم مشتركة تتجاوز الاختلاف

جوهر الصيام في الديانتين يقوم على تهذيب النفس والسموّ بالأخلاق، وهي معانٍ تلتقي عندها القلوب مهما اختلفت التفاصيل. فالإحساس بالجوع يقود إلى الإحساس بالفقير، والانقطاع المؤقّت عن الملذّات يفتح باب التأمّل في النعم.

ومن هنا، يصبح التزامن في الصيام مناسبةً رمزية تُبرز وحدة القيم الإنسانية، وتؤكد أن ما يجمع أبناء الوطن أعمق بكثير مما قد يختلفون حوله.

قيادة ترعى الإنسان قبل المكان

لقد حبَا الله هذا الوطن بقيادةٍ عربيةٍ هاشميةٍ جعلت كرامة الإنسان محور اهتمامها، فعملت على ترسيخ مبادئ العدالة والتسامح وسيادة القانون، وسعت بلا كلل إلى صون وحدة المجتمع وتعزيز تماسكه.

وفي ظل هذه الرؤية، بقي الأردن واحةَ أمنٍ واستقرار، وموطناً يحتضن أبناءه وضيوفه بمحبة، مهما تنوّعت أصولهم ومنابتهم، مؤمناً بأن قوة الأوطان تُقاس بقدرتها على جمع القلوب لا تفريقها.

رسالة إلى العالم

في زمنٍ تتصاعد فيه خطابات الكراهية والانقسام، يقدّم الأردن رسالةً هادئة لكنها عميقة الدلالة:

أن العيش المشترك ليس شعاراً سياسياً، بل ممارسة يومية تبدأ من احترام الجار، وتمتد إلى حماية حقّ الإنسان في عبادته وكرامته.

وحين يتآخى الناس حتى في الصيام، فإنهم يعلنون أن الإيمان الحقيقي لا يُبنى على الإقصاء، بل على المحبة التي تتّسع للجميع.

و يبقى التزامن الروحي بين صيام المسلمين والمسيحيين لحظةً مضيئة تُجسّد أجمل ما في هذا الوطن من إنسانيةٍ ووحدة.

وفي الأردن، حيث تتعانق المآذن وأجراس الكنائس في سماءٍ واحدة، تتجدّد الحكاية كل عام:

حكاية وطنٍ اختار المحبة طريقاً، والتآخي قدراً، والإنسان قيمةً لا تقبل القسمة.

كل عامٍ والأردن وقيادته الهاشمية وشعبه الطيب بخير وأمانٍ وعافية.

ــ الدستور

مواضيع قد تهمك