د محمد كامل القرعان : الجامعة الأردنية بلا مديونية… نموذجٌ يُحتذى لتعميم التعافي على الجامعات الرسمية
حين تعلن جامعة بحجم الجامعة الأردنية أن موازنتها لعام 2026 وصلت إلى "صفر مديونية"، فإن ذلك يتجاوز كونه رقمًا ماليًا؛ إنه إشارة إلى أن الانضباط المالي يمكن أن يسير جنبًا إلى جنب مع التحديث الأكاديمي والبحثي. وتزداد دلالة هذا التطور مع قرار الحكومة سداد مستحقات للجامعات الرسمية بأكثر من 100 مليون دينار ضمن خطة لتسديد متأخرات تراكمت على مدى سنوات، بما يتيح للجامعات مساحة أوسع للاستقرار والتطوير بدل إدارة الأزمات.
لكن القيمة الحقيقية لأي تسوية مالية لا تُقاس بما تسدده اليوم فقط، بل بما تمنع تراكمه غدًا. المطلوب أن يتحول سداد المتأخرات إلى نقطة انطلاق لإصلاح بنيوي: ضبط النفقات التشغيلية، تحديث أنظمة المشتريات، ترشيد الإنفاق غير المنتج، وتحويل الإنفاق الرأسمالي إلى مشاريع نوعية تُحسن تجربة الطالب، وترفع جاهزية المختبرات، وتدعم البحث والابتكار وخدمة المجتمع.
ولا يمكن فصل هذا المسار عن الرؤية الوطنية التي يؤكدها جلالة الملك عبد الله الثاني باستمرار: التعليم ليس ترفًا إداريًا، بل ركيزة لبناء الإنسان وتمكينه، والطريق الأقوى لوطن قوي قادر على الإنتاج والمنافسة. وبالروح نفسها، يبرز اهتمام سمو الأمير الحسين بن عبد الله الثاني، ولي العهد، بالشباب وتمكينهم بمهارات العصر، خاصة الرقمية والتقنية، عبر مبادرات وبرامج تعزز قابلية التشغيل والريادة وتربط المعرفة مباشرة بالاقتصاد المنتج.
وتكمن قوة نموذج الجامعة الأردنية في ثلاثة أبعاد مترابطة. أولًا: أن التعافي المالي -وفق ما أُعلن- لم يأتِ على حساب التطوير، بل تزامن مع تحديث للبنية التحتية والتقنية والرقمية وتحسين البيئة التعليمية والبحثية. ثانيًا: أنه يقدّم إجابة عملية عن سؤال مزمن: كيف نرفع الجودة تحت ضغوط مالية؟ الجواب ليس بالضرورة في زيادة الرسوم أو تقليص الخدمات، بل في حوكمة الإنفاق، وترتيب الأولويات، ورفع كفاءة الإدارة، بحيث يتحول كل دينار إلى استثمار في القاعة والمختبر والطالب والبحث. ثالثًا: أن تصفير المديونية يخلق استقرارًا يسمح بالتخطيط بعيد المدى، واستقطاب الكفاءات، وتوسيع الشراكات، وتعزيز البحث التطبيقي ذي الأثر.
ولكي "تسري" هذه التجربة على الجامعات الرسمية كافة، نحتاج إلى تعميم منطقها لا نسخ تفاصيلها عبر مسارات واضحة: (1) حوكمة مالية شفافة ومؤشرات أداء تقيس أثر الإنفاق على جودة التعليم والخدمات؛ (2) ربط التمويل بخطط إصلاح قابلة للقياس ومواعيد إنجاز محددة وتقييم دوري؛ (3) إعادة هندسة الخارطة الأكاديمية بدمج المتشابه وتحديث البرامج وربط الدراسات العليا بحاجات التنمية وسوق العمل؛ (4) الاستثمار في التحول الرقمي والقاعات الذكية والمختبرات بوصفه شرطًا للجودة وكفاءة التشغيل؛ (5) تنويع الإيرادات عبر التدريب والتعليم المستمر والبحث التعاقدي والشراكات، مع حماية العدالة التعليمية بمنح ومعايير شفافة.
خلاصة القول: الإشادة بما تحقق في الجامعة الأردنية ليست مجاملة، بل دعوة لتحويل التعافي المالي إلى سياسة مؤسسية عامة: استدامة مالية، جودة تعليم، ومواءمة حقيقية مع سوق العمل، بما يعزز تنافسية الجامعات الرسمية ويرفع أثرها البحثي والتنموي، ويصون المال العام ويضمن تعلّمًا جامعيًا يليق بطموح الأردن وشبابه اليوم. فالتعليم العالي استثمار سيادي في الوطن القوي—بالإنسان أولًا. ــ الراي