الأخبار

د. عبد الفتاح الحايك : عندما ينحني الوطن إجلالاً لحرّاسه الأوفياء

د. عبد الفتاح الحايك : عندما ينحني الوطن إجلالاً لحرّاسه الأوفياء
أخبارنا :  

في وطنٍ اسمه الأردن، لا تُقاس الأوطان بمساحتها الجغرافية بل برجالها، وحين أقرّ جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين يوم الوفاء للمتقاعدين العسكريين والمحاربين القدامى، لم يكن القرار بروتوكولياً ولا مناسبة عابرة في رزنامة الدولة، بل كان رسالة سياسية وأخلاقية عميقة تؤكد أن الدولة التي تنسى جنودها تفقد جزءاً من ذاكرتها، وأن الأردن لا ينسى أبناءه الذين حملوا روحه على أكفهم دفاعاً عن ترابه وكرامته.

يوم الوفاء ليس احتفالاً رمزياً، بل هو إعادة تثبيت لمعادلة الأمن والاستقرار في وجدان الدولة الأردنية، فالمتقاعدون العسكريون والمحاربون القدامى لم يكونوا مجرد أفراد خدموا في مؤسسة، بل كانوا وما زالوا صمّام الأمان لأمن الوطن وأمانه، هم الذين رابطوا على الحدود، وسهروا في الثغور، ووقفوا في وجه التحديات الإقليمية المتعاقبة، في منطقة لا تهدأ فيها العواصف ولا تتوقف فيها التحولات.

في ظل ما يحيط بالأردن من أزمات وصراعات واضطرابات، تبرز قيمة هذه الفئة الوطنية أكثر من أي وقت مضى، فخبرتهم وانضباطهم وولاؤهم المطلق للقيادة الهاشمية، تشكل رصيداً استراتيجياً للدولة، إنهم ليسوا متقاعدين عن الواجب، بل متقاعدون عن الزي العسكري فقط، أما الانتماء فهو باقٍ في الدم، وأما الاستعداد للتضحية، فمتجذر في الضمير.

لقد أثبتت التجربة الأردنية أن المؤسسة العسكرية لم تكن يوماً بعيدة عن نبض المجتمع، وأن المتقاعدين العسكريين ظلوا حاضرين في مختلف الميادين؛ في العمل العام، وفي المجالس المحلية، وفي المبادرات الوطنية، وفي تعزيز السلم الأهلي، إنهم مدرسة في الانضباط والمسؤولية، ونموذج في الوطنية الصادقة التي لا تبحث عن مكاسب، بل تؤمن بأن خدمة الوطن شرفٌ لا ينتهي بانتهاء الخدمة الرسمية.

إن قرار جلالة الملك بتخصيص يوم للوفاء هو أيضاً تأكيد على فلسفة الدولة الأردنية القائمة على التكريم قبل المطالبة، وعلى الاعتراف بالجميل قبل الحسابات الضيقة، وهو يعكس وعياً عميقاً بأن الأمن الوطني ليس مجرد منظومة عسكرية، بل هو منظومة قيم، يتقدمها الوفاء لمن حموا الدولة في أصعب مراحلها.

كما أن هذا اليوم يحمل رسالة إلى الأجيال الجديدة بأن الوطن لا يُبنى بالشعارات، بل بالتضحيات، وأن الراية التي ترفرف اليوم بأمان، رُويت بعرق الرجال ودمائهم، وهو تذكير دائم بأن الاستقرار الذي ينعم به الأردن لم يكن منحة ظرفية، بل ثمرة تضحيات متراكمة قدمها رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه.

وفي يوم الوفاء، يقف الأردن بكل مؤسساته وأبنائه احتراماً وإجلالاً لهؤلاء الرجال، يقف ليقول لهم؛ لم ولن ننساكم، فأنتم الذين حميتم الحلم الأردني، وحفظتم كرامته، وثبّتّم أركانه في زمن التحولات الكبرى.

سيبقى المتقاعدون العسكريون والمحاربون القدامى عنواناً للشرف، ورمزاً للالتزام، وركيزة من ركائز الدولة، وسيبقى يوم الوفاء علامة فارقة في مسيرة وطن يعرف كيف يكرّم أبناءه، ويصون تاريخهم، ويستمد من تجربتهم قوةً لمستقبله،

فالأردن بقيادته الهاشمية وجيشه العربي المصطفوي وأبنائه الأوفياء، سيظل وطناً عصيّاً على الانكسار، لأن خلفه رجالاً إذا قالوا فعلوا، وإذا عاهدوا وفوا، وإذا ناداهم الوطن لبّوا.

مواضيع قد تهمك