بشار جرار : الضابطة السيبرانية!
لست أدري إن كان بالإمكان محاكاة الضابطة العدلية «سيبرانيا» على نحو يتم فيه تفعيل القوانين وحتى الأعراف، عبر أدوات التواصل الاجتماعي. هكذا كان من المفترض أن تكون منصات «السوشال ميديا»، كقناة وأداة فاعلة مستدامة، أهلية شعبية «جماهيرية»، لا رسمية أو حكومية ولا نخبوية، لمحاربة الجريمة والرذيلة، لا الترويج لها وإفشائها.
هنا في بلاد العم سام، اتخذت إدارة ترمب الثانية ما لم يخطر على بالها في الولاية الأولى، ربما لمدى الحاجة إلى رسائل قوية نافذة، مباشرة حاسمة، بعيدا عما يسمى «الصوابية السياسية»، وبمنأى عن الوهن و»الطبطبة» من قبل بعض القوى على المنحرفين والخارجين على القانون خشية المساءلة، الإعلامية والسياسية لا بل وحتى القانونية سيما في الحالات المتعلقة ببعض الإثنيات ذات الحساسية المفرطة في الصحافة وصناعة الترفيه وعلى نحو خاص في هوليوود.
حرصت منذ سنين على متابعة حسابات جهات إنفاذ القانون بأنواعها، ليس فقط في الأردن وأمريكا، وإنما في أي بلاد متفاعلة سيبرانيا على نحو إيجابي مع قضايا الأمن بمفهومه الشامل، من ضمنها بطبيعة الحال أوروبا والجارة الشمالية، كندا.
اللافت كان غزارة الضخ المعلوماتي المباشر وغير المباشر، بصيغته القانونية والمبسطة، لضمان الانتشار والتأثير في الأوساط غير المختصة كالصحفيين. لم يقتصر المحتوى على الكشف عن الجرائم أو التوعية في مكافحتها، بل وإشراك الجمهور العام في تلك العملية التي تعنينا جميعا في نهاية المطاف، فلكل منا أسرة ووطن يفديهم بالدم والغالي والنفيس، عملا لا قولا..
من تلك الجرائم ما صار الأكثر شيوعا، كتلك المتعلقة بالسموم المسماة المخدرات، ونعلم أن المنشطات التي يتم الترويج لها «قانونيا» في غفلة من المختصين أو تواطئ بعضهم، لا يقل تدميرا لجسم الإنسان عن تلك التي «تذهب العقل». ما عاد غياب الوعي أو ثقل اللسان والقدمين وعدم اتزان الجسم هو المعيار الفيصل بين من هو سويّ ومن وقع في براثن تلك المؤثرات الشيطانية، بكل معنى الكلمة.
وقد أحسنت الجهات المختصة بإنفاذ القانون وبالتعاون مع من نعرفهم ونجلّهم من «المستجيبين الأوائل» في حالات الخطر، أحسنوا جميعا العمل كفريق واحد في محاصرة عالم الجريمة، والانقضاض على الأشرار، وحماية وإنقاذ الأبرياء من شرور أعمالهم التي لم تعد محصورة في غرفة عفنة ولا زقاقا معتما في منطقة «مشموسة» أو مشبوهة، بل صارت «على عينك يا تاجر» في أماكن لا تخطر ببال أحد، منها دور العلم والعبادة التي لم يراع المجرمون حرماتها، إضافة إلى ما قد يبدو بعيدا عن دنيا «الصيد السهل» من ذوي النوايا أو النفوس الضعيفة لأي سبب كان، كمراكز التسوق والتنزه، بما فيها الرياضية!
إزاء تلك الحرب الشرسة، ولكسب السبق، فأن تصلَ أولا قد يحسم المعركة قبل بدايتها، إزاء ذلك سارعت هيئات إنفاذ القانون إلى تفعيل ما يمكن تسميته ب «الضابطة السيبرانية»، وفيما يلي أحد أهم وأحدث أدواتها.
تنشر وكالة ضبط الحدود والهجرة المعروفة اختصارا ب «آيس» والتي ينهمك «إعلام» اليسار المنحل المختل المتحالف مع العولمة المنفلتة والمتوحشة التي لا تعترف بالقيم الراسخة عالميا بما فيها الروح الإيمانية والوطنية والانتماء الأسري والاجتماعي، ينهمك بتهافت عبر أدواته عبر العالم، في شيطنة «آيس» ووزارة الأمن الوطني في أمريكا التي ضبطت قبل ثلاثة أيام في عملية واحدة، ما كان كفيلا بقتل وليس إدمان فقط، عشرة ملايين نسمة من مخدر واحد يتم تصنيع مكوناته السميّة الأساسية في الصين، ومواصلة إنتاجه في المكسيك، لتهريبه عبر الحدود الجنوبية برا، بعد نجاح إدارة ترمب عبر وزارة الحرب -الدفاع سابقا- في القضاء شبه المبرم على تهريب المخدرات عبر البحار والمحيطات وذلك من خلال عمليات قنص زوارق المخدرات في المياه الدولية.
عشية تلك العملية تم إغلاق أجواء «إل باسو» في ولاية تكساس، بعد إحباط طائرة مسيرة أطلقتها عصابات المخدرات من المكسيك. كل ذلك بالتزامن مع الإنجاز الأكبر والأهم عالميا وليس فقط أمريكيا، بعد العثور على آلاف مؤلفة من الأطفال الذي تم تهريبهم إلى أمريكا -برا بشكل أساسي- عبر عصابات الاتجار بالبشر وبأعضاء البشر والرق الجنسي.
لمواجهة كل ذلك، وتفادي ما قد يكون «أدهى وأمرّ»، غامرت جهات إنفاذ القانون بتحدي المتشدقين بالحريات الخداعة، والمتباكين على الحقوق الكاذبة، وقامت بإطلاق حملة مكثفة إعلامية عبر وسائل الصحافة والبث والإرسال التقليدية وغير التقليدية، فنشرت عشرات الصور لمجرمين تم ضبطهم بأسمائهم الكاملة وأعمارهم وجنسياتهم. وقد تضمن النشر نبذة موجزة عن سجلهم الإجرامي، إضافة إلى صور ضحاياهم، جنبا إلى جنب، عند إلقاء القبض عليهم، وترحيلهم مكبلي الأيدي والأقدام، فيما الوجوه خائسة والظهور خانعة في قبضة العدالة وهيبة القانون.
للأمانة، شكلت الدفعة الأولى من تلك الصور صدمة تخللتها تعليقات استياء، بعضها ذهب إلى التلويح بالمقاضاة القانونية، بتهم التشهير والتحريض على «الأجانب»، أو خلفيات إثنية -دينية أو عرقية- مرتبطة إحصائيا بمعدلات الجرائم المرتفعة، سواء في أميركا أو أوروبا. لكن، ومع الإدارة الذكية لملف الإعلام في مكافحة الجريمة والإرهاب، تحول هذا الأسلوب من «الضابطة السيبرانية» إلى تنامي الوعي بضرورة تكاتف المجتمع قبل فوات الأوان، فتلك النار لم تعد في الساحات الخلفية للجوار الإقليمي، بل صارت في عقر الدار وفي مخدع الأهالي ومهاجع فلذات الأكباد.
سرعان ما تراجعت وانحسرت انتقادات «النشطاء» (ما غيرهم)، أمام تجارب سبق إليها القطاع الخاص، حيث تنشر المولات والمحال التجارية في أمريكا ومنذ سنوات، بما فيها تلك الخاصة بمبيعات المواد التموينية، تنشر وبالألوان، صور من يتم ضبطهم في عمليات سرقة أو نشل، مع تكبير صور الوجه، وعرض قائمة المسروقات، مع الإشارة إلى أن ذلك المجرم قد أودع السجن أو أنه ما زال طريدا ملاحقا، أو متواريا عن الأنظار!