محمد ابو رمان : الأردن وتركيا.. مرحلة جديدة
لا تمثّل زيارة الملك عبدالله الثاني (في وقت سابق من شهر شباط الحالي) إلى تركيا ولقائه الرئيس أردوغان (ومنحه قلادة الحسين بن علي) حدثاً مفاجئاً أو منبتاً من سياقات استراتيجية أردنية جديدة، بل تأتي هذه الزيارة وما تلاها من اتفاقيات وما سبقها من تحركات دبلوماسية أردنية كجزء مما يمكن أن نطلق عليها «مراجعة استراتيجية» أردنية لتموضع المملكة ودورها ومصالحها الاستراتيجية في ضوء التحولات الدولية والإقليمية الراهنة، أو بعبارة أكثر دقة لمرحلة «ما بعد الحرب على غزة».
مرت العلاقات الأردنية- التركية في حقبة حزب العدالة والتنمية (منذ العام 2002) بمراحل متعددة، صعوداً وهبوطاً، مرتبطة بالتحالفات الإقليمية والتحولات المرتبطة بها، وقد تكرّست فجوة في القراءات الاستراتيجية لمصالح الدولتين مع مرحلة الربيع العربي وانقسام المنطقة لثلاثة اتجاهات إقليمية رئيسية، الأول الذي تمثّل بحلف- معسكر الممانعة بقيادة إيران والقوى والدول المرتبطة بها، والثاني الاتجاه التركي- القطري الداعم للربيع العربي والقوى الصاعدة فيه، بخاصة الإسلام السياسي، والثالث هو الاتجاه المحافظ، الذي أطلق عليه معسكر الاعتدال، وكان يضمّ الأردن والسعودية ومصر (بعد 2013) والإمارات بدرجة ر ئيسية.
بالرغم من التباينات الأردنية- التركية إلاّ أنّ العلاقة بين القيادتين شهدت تطوراً كبيراً وتعززت بصورة شخصية، وتجاوزت الدولتان الخلافات في المنظورات الاستراتيجية، وتقاربا إلى درجة وحدت المواقف في دعم القضية الفلسطينية، بخاصة في موقفها المشترك والقيادي دولياً وإقليمياً، من قرار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في حقبته الأولى، نقل السفارة الأميركية إلى القدس وصفقة القرن، إذ اشترك الملك وأردوغان في مواقف قوية وصارمة ضد هذه السياسات.
المرحلة الأخيرة والجديدة في التقارب الاستراتيجي الكبير الأردني- التركي هي في مرحلة ما بعد الحرب على غزة، التي تعيد تشكيل الواقع الجيو سياسي في المنطقة بأسرها، إذ أصبحت الرؤية والمصالح الاستراتيجية الأردنية- التركية تجاه سورية متقاربة إلى درجة كبيرة، وشهدت المرحلة التي تلت سقوط الأسد تفاهمات عميقة بين الدولتين، وزيارات متبادلة سياسياً وعسكرياً وأمنياً، وتوافقاً على دعم النظام الجديد والتوجّس من السياسات الإسرائيلية العدائية تجاه وحدة الأراضي السورية ومحاولة التلاعب بورقة «الأقليات»، وشكلت الدولتان داعماً رئيسياً للحكومة السورية ومرشداً لها للتعامل مع التحديات الداخلية والإقليمية، بالإضافة بالطبع للسعودية وقطر اللتين تتفقان كليةً مع التصورات الأردنية- التركية.
والحال كذلك بالنسبة لملف القضية الفلسطينية، فهنالك تقارب كبير أردني- تركي في مواجهة سياسات نتنياهو التي تسعى إلى ضم الضفة والسيطرة الكاملة على القدس وتحجيم الوجود الفلسطيني بصورة كبيرة هناك، وهي سياسات تشكل خطراً أمنياً استراتيجياً على الأردن، وتمثّل تناقضاً سافراً مع السياسات والتوجهات التركية في المنطقة.
أكثر من ذلك فإنّ النظرية الأمنية الإسرائيلية الجديدة تقوم على منظور السيطرة والهيمنة والهجوم لا الدفاع وبناء المناطق العازلة في الإقليم، في لبنان وغزة وجنوب سورية، وإذا كانت هذه السياسات عموماً تشكل مصدر تهديد للأمن القومي الأردني، فإنّ المنظور الإسرائيلي لتركيا وحكومة حزب العدالة والتنمية هو أنّها تمثل مصدر تهديد لمفهوم الهيمنة الإسرائيلية، وهو ما أوضحته العديد من التحليلات الإعلامية الإسرائيلية التي ترى في تركيا العدو الجديد بعد إيران في المنطقة.
التوافقات الأردنية- التركية والمرحلة الجديدة تجمعهما بالسعودية ومصر، ومن الواضح أنّ مرحلة الانقسامات الإقليمية بين تركيا وهذه الدول قد انتهت، فهنالك تصورات تركية جديدة تقوم على التقارب مع الدول العربية، وتُرجمت مؤخراً بزيارة الرئيس رجب طيب أردوغان الأخيرة لمصر والسعودية، وتشكل ما يسمى المجموعة العربية- الإسلامية (التي تضم دولاً إسلامية أخرى مثل أندونسيا وماليزيا والباكستان)، وأيضاً من خلال المواقف الإقليمية المتقاربة والمصالح المشتركة في الملفات السورية والحرب الإيرانية وغيرها.
الأردن وتركيا يتجاوزان اليوم التوافق الدبلوماسي إلى توقيع اتفاقيات عسكرية وأمنية مرتبطة بالصناعات الدفاعية والزوارق العسكرية البحرية، وهو ما يؤكد أنّنا أمام مرحلة استراتيجية جديدة ومختلفة عن المراحل السابقة. ــ الدستور