خلدون ذيب النعيي : المظلومية المسيحية المغيبة تحت الاحتلال الإسرائيلي
«أقل من 1% فقط نسبة المسيحيين في وطن المسيح»، صيحة اطلقها المطران عطا الله حنا رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس في القدس خلال لقاء صحفي بالنظر انها كانت قبل نكبة عام 1948 تتجاوز 13% من السكان في المنطقة بين النهر والبحر، هذه الصيحة اطلقت بعد انتهاء موسم اعياد الميلاد وراس السنة الأخير وما صاحبه من استمرار مسلسل التضييق الرسمي الإسرائيلي لوصول المحتفلين للمناطق المقدسة في القدس وبيت لحم فضلاً عن تفاقم استفزازات المستوطنين المهينة بشكل صارخ، ويأتي كل ذلك في ظل ادعاءات منصات المسيحية الصهيونية الغربية «الداعم الأكبر والتقليدي لإسرائيل» حرصها على وجود ما تسميه «الأقلية المسيحية»، وهو الأمر الذي يرفضه المسيحيون الفلسطينيون مؤكدين انهم ليسوا بأقلية بل جزء أصيل من النسيج الفلسطيني عبر تاريخهم ومحملين سياسي الغرب الداعمين للاحتلال الاسرائيلي مسؤولية الانحدار الهائل بنسبة الوجود المسيحي في الأرض المقدسة.
ويتزامن هذا التحذير مع سجال اندلع بين الاعلامي الامريكي تاكر كارلسون وسفير بلاده في تل أبيب مايك هاكابي بعد حلقة نشرها الاول بعنوان «كيف تتعامل الحكومة الإسرائيلية المموّلة أمريكياً مع المسيحيين في الأراضي المقدسة» حيث اتهمه هاكابي «بإثارة الكثير من الجدل حول الشرق الأوسط من خلال طرح هذا الموضوع»، وقد اشاد المغردون في هذا السجال بالتزام كارلسون بالعقلانية مقابل ايمان هاكابي بالأساطير التاريخية مؤكدين ان السياسة الاسرائيلية لا تستهدف المسلمين فقط بل والوجود المسيحي الفلسطيني، وثمن المغردين ايضاً دور تاكر بفضح نفاق هاكابي لانحيازه الكبير إسرائيل وتجاهله الاعتداءات الإسرائيلية على المسيحيين خاصة هجمات المستوطنين الاخيرة على القرى المسيحية مثل الطيبة بيت لحم وبيت جالا فضلاً عن كتابة شعارات عنصرية والبصاق على الزوار ورجال الدين.
لا شك هنا ان تصريح المطران حنا والسجال بين كارلسون وهاكابي «الذي اصبح ينظر بانه مسؤول عن مصالح الاحتلال الاسرائيلي عوضاً عن مصالح الدولة التي يمثلها» اضافة للتقارير الكنسية وتلك الصادرة عن المنظمات الدولية المعنية قد فضحت السردية التي دأب عليها الاحتلال بتحميل جهات فلسطينية شعبية ورسمية مسؤولية الهجرة المسيحية بدواعي كاذبة، وعزز سقوط سردية الاحتلال هنا ايضاً رفض بيان منظمة «كايروس فلسطين» التي تضم أبرز المنظمات المسيحية الفلسطينية المعترف بها تاريخياً في منتصف شهر كانون الثاني الماضي دعوات طلب الحماية ذات الطابع الطائفي، مؤكدين انهم جزء من شعبهم الفلسطيني الذي يتجرع ألم ومرارة سياسات الاحتلال الاسرائيلي القمعية والتضييقية المختلفة.
يبدو جيداً هنا ان مسيحيي الارض المقدسة في هجرتهم من ارضهم التاريخية ليسوا ضحايا الاحتلال الاسرائيلي واجراءاته المختلفة فقط بل ان السياسات الغربية التي تدعي الحرص عليهم كان لها الدور الكبير بدعم الاحتلال الاسرائيلي على كافة الاصعدة وخاصة تبني سرديته حول اسباب الهجرة والتي سقطت بالتزامن سقوط سرديته العامة التقليدية بضراوة بعد عدوانه الدموي الاخير على غزة، وبالتالي فإن الحقيقة الدامغة التي أصبح يعيها الجميع ان اجراءات لاحتلال الإسرائيلي الاستيطانية والاقتصادية والأمنية هي السبب الرئيسي لتهجير المسيحيين الفلسطينيين كما هو مسؤول عن معاناة الشعب الفلسطيني بأكمله الذي يؤكد هولاء المسيحيين في كل مناسبة أنهم جزء أصيل من هذا الشعب المظلوم.