الأخبار

فراس النعسان : تل أبيب تُملي.. وواشنطن تتفرج

فراس النعسان  : تل أبيب تُملي.. وواشنطن تتفرج
أخبارنا :  

في خطوة استفزازية جديدة، صادقت الحكومة الإسرائيلية على مشروع قرار لتسوية وتسجيل أراضٍ واسعة في الضفة الغربية، لأول مرة منذ عام 1967. الخطوة نفسها ليست مجرد إجراء إداري، بل إعلان استراتيجي يرسّخ سيطرة إسرائيل على الأراضي الفلسطينية ويحوّلها إلى واقع دائم، بينما يبدو أن الولايات المتحدة، حليفتها التقليدية، عاجزة تمامًا عن فرض أي رادع حقيقي.

وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، وصف القرار بأنه يمنع «الخطوات الأحادية»، متجاهلًا أن هذا الإجراء بحد ذاته هو أفظع الخطوات الأحادية منذ عقود. أما وزير الدفاع يسرائيل كاتس، فاعتبر أنه أول اعتماد رسمي لتسجيل الأراضي منذ حرب 1967، وكأن الاحتلال لم يكن بحاجة إلى قرارات لتوسيع النفوذ، بل يكفي أن تتحدث الحكومة عنه رسميًا لتصبح الأرض ملكًا لإسرائيل. تصريحات كهذه تكشف عن شعور مطلق بالقوة، وكأن تل أبيب تُملي على العالم ما يشاء، بينما تبقى واشنطن مجرد متفرج ضعيف.

الأمر الأكثر خطورة أن القرار يمنح إسرائيل الحق في تحويل أراضٍ فلسطينية إلى «أراض دولة إسرائيلية»، وبيعها للمستوطنين، وتمليكها للجيش والأجهزة الرسمية، مما يفتح الباب أمام التهجير القسري للفلسطينيين وتقويض أي أمل في حل الدولتين. من الناحية القانونية، هذا القرار يخرق كل المبادئ الدولية المتعلقة بحقوق الشعوب المحتلة، لكنه يطرح سؤالًا أكبر: لماذا يبدو أن الولايات المتحدة، القوة العظمى في العالم، عاجزة عن منع هذا الانتهاك الصريح؟

الصمت الأمريكي، أو التصريحات الدبلوماسية الضعيفة، يرسل رسالة واضحة: إسرائيل يمكنها أن تفعل ما تشاء دون حسيب. هذا الموقف يثير التساؤل حول مصداقية واشنطن كمراقب أو وسيط نزيه في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، ويطرح الشكوك حول قدرتها على فرض أي توازن استراتيجي في المنطقة. في حين تُعلن إسرائيل «الثورة الاستيطانية» بثقة، تظل القوة الأمريكية مرتبطة بالبيانات الصحفية، عاجزة عن ترجمة الكلام إلى فعل حقيقي على الأرض.

هذا الواقع يعكس خللًا أعمق في السياسة الدولية: توازن القوة أصبح في خدمة من يمتلك الإرادة السياسية القوية، بغض النظر عن حجم الدولة أو موقعها الدولي. الفلسطينيون، كما جرت العادة، يدفعون الثمن، ليس فقط بفقدان الأرض، بل بفقدان أي حماية من القوى الكبرى التي يُفترض أنها صمام أمان للقانون الدولي.

إذا لم تتحرك واشنطن سريعًا وتضع حدًا لهذه السياسات الإسرائيلية، فإن الضفة الغربية ستصبح مختبرًا حيًا للانتهاكات الممنهجة، وسيعزز ذلك اعتقاد إسرائيل بأنها فوق القانون الدولي، وأن العالم بأسره مجرد متفرج عاجز. التاريخ سيسجل هنا، ليس فقط توسع الاحتلال، بل ضعف الولايات المتحدة، وقصور المؤسسات الدولية في حماية الحقوق الأساسية للشعوب المحتلة.

في نهاية المطاف، ما يحدث في الضفة الغربية اليوم ليس مجرد صراع على الأراضي، بل اختبار حقيقي لمصداقية الولايات المتحدة في حماية القيم التي تدّعي الدفاع عنها، ولقدرتها على مواجهة حليفها القوي حين يقرر أن يكون القاضي والخصم في الوقت ذاته. الواقع الحالي يفضح ضعف واشنطن ويكشف حجم الفجوة بين الخطابات الرنانة والقدرة الحقيقية على الفعل.

مواضيع قد تهمك