الأخبار

جهاد مساعده : بين كلمة "عيب" وواقع النفايات: أين تكمن المشكلة؟

جهاد مساعده : بين كلمة عيب وواقع النفايات: أين تكمن المشكلة؟
أخبارنا :  

لدى البعض موهبة لافتة في تحويل القضايا العملية إلى معارك لغوية.

أُطلقت حملة لمواجهة الإلقاء العشوائي للنفايات، فكان أول ما انشغلوا به ليس المشهد المزعج في الطرقات، بل المفردة التي استُخدمت في الحملة. "عيب" أزعجتهم؛ أما النفايات الملقاة على جانب الطريق فلم تحظَ بالقدر ذاته من الغضب.

قالوا بثقة إن الأردني لا يحتاج إلى من يعلّمه معنى العيب. وهذا صحيح؛ لكن من الذي يرمي النفايات من نافذة المركبة؟ ومن الذي يترك مخلفاته بعد نزهة قصيرة ثم يغادر؟ الاستثناء، حين يتكرر، لا يعود استثناءً؛ بل يصبح ظاهرة تحتاج إلى مواجهة، لا إلى إعادة تعريف.

القضية ليست إهانة مجتمع، بل توصيف سلوك. الفرق بين الاثنين واضح لمن أراد أن يراه. لو استُبدلت كلمة "عيب" بعبارة أكثر نعومة، هل ستختفي النفايات؟ هل ستتراجع المخالفات؟ هل ستعود المواقع السياحية إلى نقائها بمجرد تغيير المفردة؟ المشكلة ليست في الكلمة، بل في الممارسة.

نطالب الدولة بالحزم، ثم نتحسس من إجراءاتها. نريد خطابًا قويًا، لكننا نفضّل أن يكون بلا أثر. نغضب من التنبيه أكثر مما نغضب من الخطأ ذاته. وهذه مفارقة تستحق التأمل؛ لأنها تكشف أن حساسيتنا تجاه الكلمات أعلى من حساسيتنا تجاه الأفعال.

الكرامة الوطنية لا تتصدع من كلمة "عيب"؛ بل تتصدع حين يتحول الخطأ إلى مشهد مألوف. النقد ليس تجريحًا، والتنبيه ليس إدانة جماعية؛ بل هو محاولة لتصحيح مسار.

وإذا كنا جميعًا متفقين على رفض السلوك، فالأولى أن ننشغل بكيفية تغييره، لا بكيفية إعادة صياغته.

والدولة، حين تتقدم لمعالجة سلوك يسيء إلى الفضاء العام، لا تمارس ترف الخطاب، بل تؤدي واجبها في حماية النظام العام وصورة الوطن. مسؤوليتها أن تنبّه، وأن تضع الأطر التنظيمية، وأن تُفعّل الرقابة والعقوبات، وأن تقود التغيير بثبات ووضوح.

فالبيئة ليست شأنًا فرديًا، بل قضية سيادة وتنظيم ومسؤولية عامة. ولا يُعقل أن تُلام الدولة لأنها خاطبت سلوكًا خاطئًا، فيما يُغفل جوهر المشكلة.

النقاش الحقيقي يجب أن يدور حول فاعلية الحملة: هل هي جزء من سياسة متكاملة؟ هل تقترن بردعٍ واضح؟ هل يُقاس أثرها؟ أما تحويل القضية إلى سجال لفظي، فليس حلًا.

في النهاية، لا ينبغي أن نختلف على أن النظافة مسؤولية مشتركة. والعيب - إن أردنا الصراحة - ليس في الكلمة، بل في أن نترك النفايات في مكانها… ثم ننصرف إلى قاموس اللغة.

مواضيع قد تهمك