الأخبار

أ. د. بسام موسى قطوس : كيمياءُ اليرموك وسيمياءُ الذاكرة

أ. د. بسام موسى قطوس : كيمياءُ اليرموك وسيمياءُ الذاكرة
أخبارنا :  

بعد خمسين سنة من الخطوة الأولى ، والهمسة الأولى، والبسمة الأولى، ما زلت أرى اليرموك شابَّة تجدد شبابها وجمالها وأناقتها؛ فالحبُّ لا يعترف بالعمر، ولا يقرّ إلا بسيمياء "القطفة الأولى"! .

منذ أربعين سنة قضيتها في حضن اليرموك مدرِّسا وأستاذًا لم تكن اليرموك لي وظيفة ولا سيرة مهنية، بل كانت عمرًا ثانيًا كُتب بالحبر والطباشير وصوت الطلبة وصحبة القاعات. خمسون عامًا لك وأنا منك أربعون نبضًا.. كأنني شجرة الزيتون التي زرعتها في ساحاتك، فإذا بي أنبتُ في ظلالها. لم أكن أدرِّس في قاعاتك، بل كنت أتعلَّم كيف يكون الإنسانُ أوسعَ من تخصصه، وأرحبَ من شهاداته، وأصدق من اسمه المكتوب على لوحة مكتب..كنتِ لي بيتًا ووطنًا صغيرًا، وكنتُ لك شاهدًا على تعاقب الأجيال: وجوه تأتي خضراء كأول المطر، وتغادر وهي تحمل شيئًا من صمت الحكمة في العيون.

يا يرموكَ الروح.. ويا جهةَ القلب حين يضيع الاتجاه، يا درجًا صعدته شابًا، ونزلته كهلًا، ولم يزل في قدميِّ بعض شغف طالب العلم الأول. أربعون عامًا وأنا أظن أنني أعطيتك، حتى اكتشفت أنك كنت تعطينني عمرًا آخر لا يقاس بالسنين بل بالأثر. لم تكوني جدرانًا، بل ذاكرة، ولم تكوني قاعاتٍ بل أسئلة مفتوحة، لم تكوني سنوات خمسين، كنت خمسين ربيعًا من المعنى والذاكرة، لم تكوني دفترًا وقلمًا بل سيمياء.

ومثلما اليرموكُ سيمياء؛ أي علامة ، وهي علامة تواصل الذاكرة مع الآخرين، فهي كيمياء أيضاً؛ فثمة كيمياء خاصة بيني وبينها لا أعرف بالضبط سرَّها ، وإن كنت أحس بوقعها،على نفسي ووجداني! ربما تعلّق الأمر بالوفاء للزَّمن، الذي بات يخونه الآخرون،أو تعلّق بالمكان، الذي قلما يوفّيه حقه الجاحدون!

نعم الوفاء للمكان : يرموك الزَّمن الجميل، قبل أن تنحني الظهور وتحدودبُ، وقبل أن يخلسَ القصبُ ويعشوشب، وقبل أن تُلبس نظاراتٌ للقراءة، وأخرى لطول النظر؛ فالوفاء للمكان: مكان الخطوة الأولى، والشوق الأول لمن تبقى من الأصدقاء : مصائر الرفقة الأولى الآيلة إلى النسيان ، ربما هذا وربما غيره.

هل قلتُ الوفاء للزمن؟ وآه من الزمن ؛ فعدا عن كونه مغربلًا ومنخلًا وناقدًا أول، فهو أشبه بجنرالٍ مدجَّجٍ بالسِّلاح لا ينتقي ضحاياه إلا من الأرواح المُنهكة، ولا يقبل بأية هدنة مع أحد! يتخطّف البناة الحقيقيين لهذا الصرح العلميّ الرصين، مصداقاً لقولة شوقي:

وغابَ الرفاقُ كأنْ لم يكن بـهم لك عهدٌ ولـم تصْحَبِ
إلى أن فنــــوْا ثلَّــةً ثلَّــــةً فناء السَّرابِ على السبسبِ

هذا الصرحُ الذي أنجب جامعة أخرى هي جامعة العلوم والتكنولوجيا ، بل جامعات تمثَّلت بعشرات آلاف الأكاديمين والمبدعين: علماء، وأطباء ومهندسين، ونقاداً وشعراء وروائيين، وبناة أجيال وإعلامين، وسواهم.

وهل قلت الوفاء للمكان؟ نعم قلت ؛ إنها اليرموك ذات التاريخ المجيد؛ حيث البطولة حكاية عزّ تُحكى، ورواية شرف تُروى للأبناء والأحفاد كي يظلوا على صلة بتاريخهم المجيد..

لعل ما يطمئنني على اليرموك اليوم كوكبة ٌمن الشباب/الشيوخ (الشباب همّة والشيوخ علماّ وحكمة) الذين يأخذون بيدها، وبعضهم من أبنائها وبُناتها ولادة ونسباً، قد تسنّموا أمر قيادتها وهم يستشعرون نبضها: ماضيها وحاضرها، لعلهم يعزفون بأناقة سمفونية مستقبلها، فلهم منا التحية والمحبة والدعوات بالنجاح والتوفيق. ولليرموك في يوبيلها الذهبي الخمسين كل الحب والتقدير!.

أ.د. بسَّام موسى قطوس
قسم اللغة العربية وآدابها

مواضيع قد تهمك