الأخبار

د. يزن دخل الله حدادين : معاهدة إقليمية للأمن والاستقرار السيبراني

د. يزن دخل الله حدادين : معاهدة إقليمية للأمن والاستقرار السيبراني
أخبارنا :  

يشكل الفضاء السيبراني اليوم أحد العناصر الأساسية للأمن الوطني واستقرار الدول، إذ يمكن للهجمات الرقمية أن تؤثر على السيادة الوطنية، واستمرارية الخدمات الحيوية، وفعالية اتخاذ القرار السياسي. ومع ازدياد التعقيد التقني والاعتماد المتبادل بين الشبكات الوطنية والإقليمية، بات من الضروري تطوير أطر قانونية وإقليمية واضحة تنظم سلوك الدول وتقلل من المخاطر المحتملة.

بناءً على ذلك، نقترح إطلاق "معاهدة إقليمية للأمن والاستقرار السيبراني"، كإطار تعاوني بين دول الجوار والمؤثرين في المنطقة، تهدف إلى تعزيز التنسيق في مواجهة الهجمات السيبرانية، وحماية البنية التحتية الحرجة، وضمان استمرارية الخدمات الأساسية، وتطوير قدرات الاستجابة للحوادث عبر آليات مشتركة. وتعتمد المبادرة على نواة صلبة تمثلها المؤسسات الأردنية، وبالأخص المركز الوطني للأمن السيبراني، الذي يمتلك خبرة واسعة في إدارة المخاطر السيبرانية، وتطوير السياسات الوطنية، وتنسيق الاستجابة للحوادث. توفر هذه النواة مصداقية فنية وقانونية للمبادرة، وتتيح وضع معايير دقيقة لتصنيف الهجمات السيبرانية، وتقييم أثرها على الاستقرار الوطني، وإنشاء نظام إنذار مبكر يربط القطاعات الحيوية ويعزز سرعة الاستجابة وتقليل الأضرار المحتملة.

تستند المعاهدة إلى مبادئ القانون الدولي العام، وأبرزها احترام سيادة الدول، وحظر التدخل في الشؤون الداخلية، والامتناع عن استهداف البنية التحتية الحيوية ذات الطابع المدني أو المزدوج الاستخدام. كما تقترح إنشاء آلية للتشاور والتنسيق السريع عند وقوع حوادث سيبرانية عابرة للحدود، بهدف منع التصعيد غير المقصود وتقليل مخاطر سوء التقدير، وتمكين الدول المشاركة من تبادل المعلومات التقنية والاستراتيجية وتنسيق الإجراءات الوقائية بفعالية.

تركز المعاهدة أيضًا على حماية سلاسل الإمداد الرقمية، لا سيما تلك التي تعتمد على مزودين دوليين للبرمجيات والخدمات السحابية، حيث يمكن لأي اختراق واسع أن يمتد أثره إلى أكثر من دولة. وتشمل المبادرة إنشاء نقاط اتصال وطنية تعمل على مدار الساعة لتفعيل التعاون الفوري عند وقوع حوادث كبيرة، ما يعكس التوجه الاستراتيجي نحو إدارة الأزمات بشكل استباقي بدلًا من الاستجابة المتأخرة.

من جانب الحقوق والحريات، تلتزم الدول المشاركة بمراعاة القانون الدولي لحقوق الإنسان، وعدم استخدام الإجراءات الوقائية كوسيلة للرقابة أو التضييق غير المبرر على الخصوصية وحرية التعبير. ويعزز هذا البعد من شرعية المبادرة ويجعلها أكثر قابلية للقبول الإقليمي والدولي، مع توفير حماية قانونية للأفراد أثناء التعامل مع الحوادث السيبرانية.

استراتيجيًا، تمنح المعاهدة الأردن دورًا قياديًا في صياغة قواعد السلوك السيبراني الإقليمي، وتحويل الفضاء الرقمي من ساحة مفتوحة للتصعيد إلى بيئة منظمة وموثوقة، يُقاس فيها احترام القانون الدولي بمدى حماية السيادة واستمرارية الوظائف الأساسية للدولة وحماية المدنيين. كما توفر إطارًا للردع القانوني والسياسي، إذ تتيح للدول المشاركة التنسيق والاحتجاج عند وقوع هجمات تهدد الأمن الإقليمي، ما يعزز القدرة على إدارة المخاطر السيبرانية بشكل متكامل ومسؤول.

اقتصاديًا، تسهم المعاهدة في تعزيز جاذبية المنطقة للاستثمارات الرقمية، إذ يقيس المستثمرون المخاطر السيادية بقدرة الدولة على حماية بياناتها وأنظمتها الحيوية. وعبر الربط بين الالتزامات الوطنية والإقليمية، توفر المعاهدة إطارًا آمنًا لتطوير مشاريع التكنولوجيا المالية، والحوسبة السحابية، والخدمات الرقمية، بما يدعم النمو الاقتصادي ويعزز التنافسية الإقليمية.

تمثل المعاهدة الإقليمية المقترحة رؤية علمية واستراتيجية مبتكرة لإدارة الأمن السيبراني على المستوى الإقليمي، معتمدة على نواة صلبة تمثلها المؤسسات الوطنية الأردنية، ولا سيما المركز الوطني للأمن السيبراني. تمنح المبادرة الأردن القدرة على قيادة تطوير قواعد السلوك السيبراني في الإقليم، وضمان حماية المدنيين واستمرارية الوظائف الأساسية للدولة، وخلق بيئة إقليمية موثوقة، حيث يُقاس احترام القانون الدولي بقدرة الدول على ضبط الفضاء السيبراني ضمن إطار مشترك وآمن، وتأكيد الدور الأردني الريادي في صياغة مستقبل الأمن الرقمي الإقليمي.

محامٍ وخبير قانوني

yazan.haddadin@haddadinlaw.com

مواضيع قد تهمك