الأخبار

م. زيد خالد المعايطة : إعادة توزيع ساعات العمل.. من زاوية سلوكية

م. زيد خالد المعايطة : إعادة توزيع ساعات العمل.. من زاوية سلوكية
أخبارنا :  

أثار توجه الحكومة الأردنية لدراسة تعديل نظام أسبوع العمل، بما في ذلك احتمال اعتماد عطلة لثلاثة أيام لبعض موظفي القطاع العام وشكل واحدة من أبرز النقاشات المرتبطة بسوق العمل خلال الفترة الأخيرة، فهناك من يرى في المقترح خطوة متقدمة نحو تحسين التوازن بين الحياة المهنية والشخصية ومواكبة التحولات العالمية، فيما يتساءل آخرون عن جدواه الاقتصادية وإمكانية تطبيقه بعدالة في بيئة تختلف فيها ظروف العمل بوضوح بين القطاعين العام والخاص، غير أن جوهر النقاش ينبغي أن لا يقتصر على عدد الأيام، بل على كيفية تصميم العمل نفسه، فالمسألة ليست تقليصاً زمنياً بقدر ما هي إعادة نظر في طريقة قياس الإنتاجية وتنظيم الجهد البشري داخل المؤسسات.

يمكن فهم جاذبية فكرة أسبوع العمل المعدّل من منظور سلوكي، فالكثير من الموظفين في مختلف القطاعات يواجهون إرهاقاً ذهنياً متراكماً وضغطاً زمنياً متصاعداً، وتؤكد دراسات العلوم السلوكية أن الإنتاجية لا تتناسب طردياً مع زيادة ساعات العمل، إذ يتعرض الإنسان لما يُعرف بإجهاد القرار حيث تتراجع جودة التركيز و القدرة على اتخاذ القرار مع مرور الوقت، ومن هنا فإن الحاجة إلى فترات تعافٍ حقيقية ليست ترفاً بل شرطاً لاستدامة الأداء، والتأييد الشعبي لفكرة عطلة أطول يعكس رغبة في استعادة الطاقة أكثر مما يعكس رغبة في تقليل الالتزامات

ويتعزز هذا الشعور في ظل واقع الازدحام المروري في عمّان والمدن الكبرى، فحين تبدأ معظم المؤسسات دوامها وتنهيه في التوقيت ذاته يتكدس الضغط في ساعات محددة من اليوم، ما يحول الطريق اليومي إلى مصدر استنزاف للوقت والوقود والطاقة النفسية، لذلك فإن أي مقترح يعيد توزيع أوقات العمل أو يقلل من عدد أيام التنقل يبدو منطقياً في نظر كثيرين لأنه يخفف هذا الضغط المتراكم.

مع ذلك فإن نجاح نظام الأسبوع المضغوط لأربعة أيام يرتبط بطريقة تصميمه، فإذا بقي مجموع الساعات الأسبوعية كما هو وتم تركيزه في أيام أقل عبر إطالة ساعات العمل اليومية فقد يتولد إرهاق مختلف يؤثر في جودة الأداء ويزيد احتمالية الأخطاء، لاسيما في الوظائف التي تتطلب تفاعلاً مباشراً مع المواطنين، وإلى جانب ذلك يبرز البعد النفسي المرتبط بالعدالة، ففي الأردن يُنظر إلى العمل في القطاع العام على أنه أكثر استقراراً من القطاع الخاص حيث يواجه كثير من العاملين ساعات أطول ومستويات أعلى من عدم اليقين، وبما أن الأفراد يقيمون السياسات من خلال المقارنة بغيرهم فإن اعتبار تعديل أسبوع العمل ميزة حصرية لموظفي القطاع العام قد يعمّق الفجوة النفسية بين القطاعين ويضعف الثقة، كما قد يعزز الاعتماد على الوظيفة الحكومية ويحد من ديناميكية القطاع الخاص.

من هنا يكمن البديل الأكثر اتزاناً في تبني مقاربة سلوكية ذكية تحقق بعض الأهداف المرجوة دون الإخلال بالتوازن المؤسسي، فاعتماد ساعات عمل مرنة داخل الوزارات والمؤسسات من شأنه أن يخفف من ذروة الازدحام دون تقليص أيام العمل، كما أن منح الموظفين قدراً من الاختيار في توقيت بدء الدوام وانتهائه يعزز الشعور بالاستقلالية وهو عامل ترتبط به الدافعية الداخلية ومستوى الالتزام المهني، بل ويمكن أن يؤدي توزيع أوقات الدوام إلى توسيع نطاق تقديم الخدمة للمواطنين بدلاً من تقليصه.

إلى جانب ذلك فإن تخصيص يوم عمل عن بُعد أسبوعياً للوظائف التي تسمح طبيعتها بذلك قد يسهم في التخفيف من أزمات السير مع الحفاظ على استمرارية العمل خمسة أيام في الأسبوع، فالعمل عن بُعد يعكس ثقة المؤسسة بموظفيها ويعزز الإنتاجية في المهام التي تتطلب تركيزاً وتحليلاً بعيداً عن المقاطعات اليومية، والأهم أن هذا النموذج لا يُفهم على أنه تقليل للعمل بل إعادة تنظيم له، كما أنه يقرب الممارسات الإدارية في القطاع العام من تلك المعتمدة في العديد من مؤسسات القطاع الخاص ما يسهم في تقليص الفجوة بدلاً من توسيعها.

اقتصادياً لا تقتصر آثار هذا التوجه على رضا الموظفين، فخفض الازدحام يعني تقليل استهلاك الوقود والهدر الزمني، فزيادة الاستقلالية قد تحد من الغياب الوظيفي والإرهاق المزمن، كما أن توسيع نطاق العمل عن بُعد يدفع باتجاه تسريع التحول الرقمي في الخدمات الحكومية وهو استثمار طويل الأمد في كفاءة الإدارة العامة.

في النهاية لا يكمن التحدي في محاكاة تجارب دول أخرى بقدر ما يكمن في تصميم نموذج يتلاءم مع الواقع الأردني ويحافظ على التوازن بين القطاعات، فنجاح أي تعديل في أسبوع العمل ينبغي أن يُقاس بمدى استعادته لطاقة الموظفين وحفاظه على العدالة بين القطاعين وتعزيزه للثقة بين الدولة والمجتمع، فالتحديث الحقيقي لا يتحقق بتقليص الأيام بل بمواءمة الهياكل الإدارية مع فهم أعمق للسلوك البشري بما يعزز الإنتاجية ويسهم في تطوير الاقتصاد.

* باحث في الاقتصاد والسياسات السلوكية

ــ الراي

مواضيع قد تهمك