سارة طالب السهيل تكتب : عيد الحب العربي
في وقت تتبادل فيه بعض العواصم الاتهامات عبر شاشات الفضائيات ومنصات التواصل، يتبادل العشاق الورود الحمراء وبطاقات المعايدة. في لحظة تتسع فيها الهوة بين الأشقاء على المستوى الرسمي، تتوسع دائرة المشاعر الإنسانية على المستوى الشعبي. هذا التناقض الصارخ هو ما يجعل من عيد الحب هذا العام مناسبة مختلفة، ليس للاحتفال بالحب الرومانسي الخاص فحسب، بل لاستثمار طاقته الرمزية الهائلة في لم شمل ما تفرق من أبناء الوطن العربي.
فالعالم العربي، بما يمتلكه من إرث حضاري وثقافي مشترك، يعيش اليوم حالة من التشرذم والانقسامات على أكثر من صعيد. سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، تتعاظم التحديات، وتكثر الأصوات التي تفرق ولا تجمع. في خضم هذه الأجواء الملبدة بغيوم الفرقة، يأتي عيد الحب ليذكرنا بأن اللغة الجامعة هي لغة القلب، وأن المشاعر الإنسانية هي القاسم المشترك الأعظم بين كل البشر، وقبل كل شيء بين أبناء الأمة الواحدة.
وسط مشاهد الفرقة، تبرز تجارب عربية ناجحة تؤكد أن التعاون ممكن بل ومثمر. على المستوى الإنساني، كان الموقف العربي الموحد إبان كارثة زلزال سوريا وتركيا في فبراير 2023 نموذجاً ملهماً. ففي لحظة محنة، سارعت فرق الإنقاذ من الأردن والمغرب إلى الإمارات، ومن الجزائر إلى السعودية، لإنقاذ المنكوبين وانتشال الضحايا. لم تسأل تلك الفرق عن انتماءات المتضررين، بل هرعت لإنقاذ "الإنسان العربي" لأن دمه هو دمها. هذه اللحظة الإنسانية الفريدة أثبتت أن لغة القلب أقوى من لغة السياسة. (وأنا هنا لا أعنى أن ينقذ الإنسان العربي فقط، بل الإنسان في كل أحواله من أي جنس أو دين أو لون، ولكن نتحدث بخصوصية عن التكاتف العربي؛ لأنه موضوع المقال).
وليس التضامن العربي مجرد ذكرى عابرة، بل واقع يتجدد كلما اشتدت المحنة. فالعراق، رغم جراحه، كان من أوائل من أرسل فرق إنقاذ ومساعدات إلى المغرب بعد زلزال 2023، وشارك شعبه في حملات تبرع واسعة لفلسطين والسودان، وكأن الألم العربي ألمٌ واحد. والأردن بدوره قدّم نموذجاً إنسانياً راسخاً؛ فطواقمه الطبية والإغاثية كانت حاضرة في سوريا وتركيا ولبنان، وعلى أرض غزة وسمائها، فيما فتح حدوده ومدارسه ومستشفياته للاجئين، مؤمناً بأن الأخوّة ليست شعاراً سياسياً، بل التزاماً أخلاقياً وتوثيقا على أرض الميدان.
في زمن جداتنا والتلفزيون الأبيض والأسود كان هناك ظاهرة لم يكن لها مثيل خارج نطاق الوطن العربي، فقد كانت تجربة "أم كلثوم" الشهرية مثالاً على الوحدة الثقافية العربية. ففي أول خميس من كل شهر، كان العرب جميعاً، من المحيط إلى الخليج، يتوقفون ليستمعوا إلى صوت يشدو بالقصائد العربية الفصحى. كان هذا الموعد الإذاعي الشهري يجمع العائلة العربية تحت سقف واحد، وإن اختلفت أماكنها. كانت أغنية "أنت عمري" أو "الأطلال" تمثل حدثاً ثقافياً موحداً، يتناقله الناس في القاهرة وبيروت وبغداد والرباط والكويت. إنها دليل على أن الفن الراقي يمكن أن يكون وطناً جامعاً، ومساحة تتسع للجميع، ولم يكن العندليب الأسمر أقل تأثيراً من ( الست) وخاصة أن تأثيره ممتد أجيال ورا أجيال تجتمع على حبه وخاصة في أغانيه الوطنية التي طالما وحدة الصف العربي
في المقابل، يمتلك الإعلام اليوم قوة هائلة، إن توظفت للخير يمكنها أن تصنع المعجزات. تشير إحصاءات الاتحاد العربي للإعلام الإلكتروني إلى أن عدد مستخدمي الإنترنت في العالم العربي تجاوز 200 مليون مستخدم، وأن نسبة المشاهدة للبرامج والقنوات العربية العابرة للحدود تصل في بعض الأعمال الدرامية الرمضانية إلى أكثر من 100 مليون مشاهد. تخيلوا لو أن جزءاً من هذه القوة الناعمة الهائلة تم توظيفه لنشر قيم التسامح والمحبة والتقارب، بدلاً من بث خطاب الكراهية والتحريض. تخيلوا لو أن الأعمال الدرامية عادت إلى تقديم صورة الإنسان العربي في أي بقعة عربية كصديق وجار وأخ، كما كانت تفعل في عقود مضى.
وليس التضامن الإنساني وحده ما يجمع العرب، فهناك تعاون علمي وثقافي يتنامى بصمت. فمشروع «مسبار الأمل» مثلاً فتح أبواب جديدة أمام العلماء العرب للعمل المشترك، كما أصبحت المهرجانات الثقافية الكبرى من جرش إلى قرطاج والقاهرة منصات تلتقي فيها الأصوات العربية المختلفة لتحتفي بالإبداع لا بالخلاف والانقسام.
إن الإعلام العربي يمتلك القدرة على إعادة تشكيل الوعي الجمعي وتغيير القلوب وتوجيهها. فبدلاً من التركيز على الخلافات، يمكنه أن يسلّط الضوء على قصص النجاح المشتركة، وأن ينتج أعمالاً درامية تُعيد الإنسان العربي إلى مكانه الطبيعي: إنساناً يشبهنا، نحبه ونخاف عليه. فصورة العربي في الدراما ليست مجرد ترف فني، بل هي جزء من بناء الوجدان.
الحب ليس شعوراً رومانسياً فحسب، بل هو أيضاً فعل سياسي ناعم. فحين نختار أن نحب، نحن نختار أن نرى الآخر، أن نعترف بوجوده وكرامته، وأن نمنحه مساحة في قلوبنا. وهذا الاعتراف هو أساس أي مشروع وحدوي. فالدول لا تتقارب بالاتفاقيات وحدها، بل بتليين النفوس، وبناء الثقة، وإعادة اكتشاف الإنسان خلف العناوين البراقة والحدود.
إن استثمار عيد الحب لنشر المحبة والسلام بين الشعوب العربية يتجاوز كونه مجرد تبادل للتهاني. إنه مشروع ثقافي واجتماعي واعٍ، يهدف إلى إعادة بناء الثقة المتهالكة بين أبناء الأمة الواحدة. أنه تأكيد على أن الانتماء إلى الإنسان يسبق الانتماء إلى الحدود، وأن القيم المشتركة أعمق من الخلافات الطارئة. فالحب من الممكن أن يكون موقف سياسياً بامتياز.
فإن لم نتعلم أن نحب بعضنا بعضاً كما نحب ورودنا الحمراء، فلن تنجح أي قمة أو معاهدة في جمع ما تفرق.
ربما لا يعيد الحب رسم الخرائط، ولا فتح الحدود، لكنه قادر على أن يمنعها من التمزق أكثر. وهذا في حد ذاته بداية