عاطف أبوحجر يكتب : سيّد المشهد
عاطف ابوحجر :
يُعَدُّ باب الحارة واحدًا من أبرز الأعمال الدرامية في تاريخ الشاشة السورية، إذ استطاع أن يُجسِّد ملامح البيئة الشامية بروحها الشعبية وتفاصيلها الإنسانية العميقة. ومن بين عشرات المشاهد التي علقت في ذاكرة الجمهور، يبرز مشهد مؤثّر للفنان القدير نزار أبو حجر في دور "أبو غالب”، إلى جانب الفنان علي كريم في دور "أبو النار”، بوصفه من أكثر اللحظات حزنًا وألمًا في العمل كله.
في هذا المشهد، يسأل أبو النار صديقه أبا غالب:
«شو أبو غالب، ما بدك تشتغل اليوم؟»
فيردّ الأخير بصوتٍ مُثقَلٍ بالتعب: «لا والله يا عكيد، مو جاي عبالي اشتغل اليوم».
لكن الكلمات التي تلت كانت أشد وقعًا، إذ قال أبو غالب: «وبعدين لمين بدي اشتغل أنا؟ فرنكين بكفّوني طول النهار، وما عندي لا مرّة ولا ولد راكبني هم من وراهم».
جملةٌ تبدو في ظاهرها بسيطة، لكنها تحمل في باطنها بحرًا من الانكسار. فالرجل الذي فقد زوجته وولده لم يعد يجد في العمل معنى، ولا في الكسب هدفًا، بعد أن غاب من كان يشاركه الحياة ويدفعه للاستمرار.
ثم تأتي اللحظة الأكثر إيلامًا حين يتدخل أبو الحكم، غير العالِم بمصيبة أبي غالب، قائلًا: «أحسن يا أبو غالب، شو بدك بكل هالهم ووجع الراس».
هنا تتجلّى عبقرية الأداء؛ نظرة واحدة من نزار أبو حجر كانت كفيلة بأن تختصر حزن الدنيا بأسرها. نظرةٌ مشبعة بالحسرة والخذلان، لا تحتاج إلى خطبةٍ طويلة ولا إلى بكاءٍ صاخب. صمتٌ ثقيل، وعينان تنطقان بما تعجز عنه الكلمات. ثم يمضي إلى بيته مكسور الخاطر، وكأن خطاه تحمل ثقل الفقد وحدها.
لقد أبدع نزار أبو حجر في تجسيد الألم الإنساني بصدقٍ نادر، فأوصل إحساس الشخصية إلى المشاهد دون مبالغة أو تصنّع. وهذا الإبداع ليس وليد لحظة، بل هو امتداد لمسيرة طويلة في الدراما السورية، قدّم خلالها أدوارًا متنوّعة بين الكوميديا والتراجيديا، مؤكّدًا مكانته فنانًا قديرًا يمتلك أدواته بحرفية عالية.
إن هذا المشهد يبرهن أن قوة الدراما لا تكمن في الأحداث الصاخبة فحسب، بل في التفاصيل الإنسانية الصادقة، وفي ممثلٍ يعرف كيف يُعبّر بنظرة، وكيف يجعل الصمت أبلغ من الكلام. وهكذا يبقى أداء نزار أبو حجر علامة فارقة في «باب الحارة»، وشاهدًا على قدرة الدراما السورية على ملامسة القلوب واستحضار أعمق المشاعر.