الأخبار

جهاد المنسي : لسنا على عجل

جهاد المنسي : لسنا على عجل
أخبارنا :  

نعيش لحظات سياسية مرتبكة يعلو فيها منسوب التكهنات وتكثر فيها الدعوات إلى تعديل الدستور ومراجعة قانون الانتخاب، يصبح من الضروري التوقف، والسؤال: هل نحن أمام ضرورة مُلحة لإجراء تعديلات دستورية أو تشريعية عاجلة؟ أم أن المشهد يحتاج إلى هدوء في التقييم، لا استعجال في القرارات؟

مجلس النواب الحالي لم يمضِ على عمره الدستوري سوى فترة محدودة، ولم تستنفد تجربته الزمن الكافي للحكم عليه بشكل نهائي، فنحن ما نزال في منتصف الطريق، وبالتالي فإن إصدار أحكام قطعية على مخرجات قانون الانتخاب أو على بعض التعديلات الدستورية السابقة يبدو سابقًا لأوانه، إذ إن التجارب الديمقراطية الرصينة لا تُقاس بالأشهر، بل بالدورات الكاملة، ولا تُحاكم بالانطباعات، بل بالنتائج التراكمية.
إذ إن أي تعديل جديد، سواء في قانون الانتخاب أو في نصوص دستورية، قد يُفهم على أنه ارتباك تشريعي أو غياب للاستقرار المؤسسي، والاستقرار في التشريع ليس ترفًا، بل ركيزة من ركائز الثقة السياسية والاقتصادية على حد سواء.
لدينا دستوريا، ما يقارب عامين كاملين وأكثر في عمر المجلس الحالي، عامان يمكن خلالهما رصد الأداء النيابي، وقياس مدى فاعلية الكتل الحزبية، ومتابعة تطور التجربة الحزبية تحت القبة، وتقييم العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية في ضوء المنظومة القائمة، وهذه فترة زمنية ليست قصيرة، بل كافية لتكوين صورة أوضح وأكثر نضجًا عن مكامن القوة والضعف، ومن هنا فإن أي حديث عن تعديل دستوري يجب أن يبقى في إطاره الطبيعي: التعديل لمعالجة ثغرات حقيقية ثبتت بالتجربة، لا استجابة لضغط ظرفي أو انطباع عابر. فالدستور ليس نصًا عاديًا، بل هو العقد الأعلى الذي ينظم توازن السلطات ويؤطر الحياة العامة، وكل تعديل فيه يجب أن يكون محسوبًا بدقة، ومحدودًا في نطاقه، وموجَّهًا نحو تحسين الأداء دون المساس بالجوهر.
ما سبق ينطبق على قانون الانتخاب. فهو ليس مجرد آلية إجرائية، بل هو مدخل تشكيل السلطة التشريعية وبوابة العمل الحزبي والسياسي، وإذا ظهرت بعض الإشكالات في التطبيق، فإن معالجتها لا تكون بالضرورة عبر تغيير شامل، بل ربما عبر تعديلات فنية مدروسة تعالج النقاط الضعيفة دون أن تهدم البنية التي لم تكتمل تجربتها بعد.
من هنا وجب الإشارة ان ثمة فارق بين المراجعة والتسرع، فالمراجعة مطلوبة دائمًا، وهي سمة الأنظمة الحية، لكنها مراجعة تقوم على البيانات والتجربة والقياس، لا على ردود الفعل، أما التسرع، فقد يقود إلى دورة متكررة من التعديلات التي تُربك المشهد وتُضعف ثقة الشارع بالمسار الإصلاحي برمته.
مشهدنا السياسي اليوم لا يعاني فراغًا دستوريًا، ولا انسدادًا تشريعيًا، ولا أزمة تستدعي تدخلًا فوريًا في النصوص العليا، بل إن ما نحتاجه هو تعميق الممارسة، وتطوير الثقافة الحزبية، ورفع سوية الأداء النيابي، وتفعيل أدوات الرقابة والتشريع ضمن الإطار القائم، كما أن الاستقرار التشريعي يبعث برسالة طمأنة إلى الداخل والخارج معًا، مفادها أن الدولة تسير بخطوات مدروسة، وأنها لا تعيد رسم قواعد اللعبة السياسية كلما ظهرت ملاحظة أو انتقاد، فالإصلاح مسار تراكمي، لا قفزات متتابعة.
هذا لا يعني إغلاق الباب أمام أي تطوير مستقبلي، على العكس، فإن بقاء النقاش مفتوحًا حول قانون الانتخاب أو بعض النصوص الدستورية أمر صحي ومطلوب، لكن الفارق أن يكون النقاش استعدادًا لمراجعة مدروسة بعد اكتمال الصورة، لا تمهيدًا لتعديل متعجل قبل أن تنضج التجربة، لذلك، فإن الحكمة تقتضي منح المجلس مدته الكاملة، ونراقب الأداء خلال العامين المقبلين بعين نقدية موضوعية، وأن نوثق الملاحظات، ونُجري التقييمات، ونستمع إلى مختلف الآراء، وعندما تتضح الصورة كاملة، يمكن حينها إدخال تعديلات دقيقة لا تمس الجوهر، بل تعالج الثغرات التي أثبتت التجربة وجودها.  ــ الغد

مواضيع قد تهمك