اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. حمد الكساسبة : العقل الاقتصادي للدولة: من الرؤية إلى الأثر وبناء الثقة

د. حمد الكساسبة : العقل الاقتصادي للدولة: من الرؤية إلى الأثر وبناء الثقة
أخبارنا :  

في هذه المرحلة التي تتداخل فيها تحديات النمو والتشغيل والمديونية ومستوى المعيشة، لم يعد الرهان الاقتصادي على صياغة الخطط وحدها، بل على قدرتها على إحداث أثر يلمسه المواطن في حياته اليومية، فالثقة العامة لا تتعزز بما يُعلن من عناوين، بل بما يتحقق من نتائج في الدخل وفرص العمل وجودة الخدمات. ومن هنا، تبرز أهمية نقل التوجهات الاقتصادية الوطنية من إطارها العام إلى تنفيذ عملي يجعل السياسات الاقتصادية أقرب إلى احتياجات الناس.


ومن هذه الزاوية، يصبح العقل الاقتصادي للدولة معنيّاً بالدرجة الأولى بطريقة الإدارة والتنفيذ، لا بإضافة تصور جديد أو طرح بديل عن القائم، ومن المهم التأكيد أن هذه الأفكار، وإن لم تكن غائبة عن التوجه الاقتصادي للدولة أو عن عمل الحكومة، فإنها تحتاج اليوم إلى تطبيق أعمق، وأولويات أوضح، وربط أدق بين القرار والنتيجة. فالعقل الاقتصادي ينبغي أن يحوّل الاستقرار إلى قاعدة إنتاج، وأن يربط النمو بالقدرة، والإنفاق بالعائد، والموارد بالنتائج، وأن يجعل الشفافية والمساءلة جزءاً من قياس الأثر وبناء الثقة.


وقد شكّل الاستقرار المالي والنقدي في الأردن ميزة مهمة في إقليم مضطرب، وهي ميزة لا يجوز التقليل منها، لأنها حافظت على الثقة وسمحت للدولة بالاستمرار وسط ضغوط متلاحقة، غير أن قيمة الاستقرار تظهر بصورة أوضح عندما يتحول إلى مشاريع قابلة للنمو، وفرص عمل أكثر استدامة، وبيئة قادرة على جذب رأس المال الأجنبي، متى ارتبطت بإجراءات أسرع، وكلف أقل، وفرص واضحة في قطاعات واعدة.


ومن هذه الأرضية، يصبح التركيز على نوعية النمو لا على رقمه فقط، فالنمو الموجب في التقارير لا يكفي إذا لم يرفع القيمة المضافة، ويوسع قدرة الاقتصاد على المنافسة، ويخلق وظائف ذات دخل أفضل. والنمو المطلوب هو الذي يغيّر بنية الاقتصاد، ويقلص الفجوة بين ما ينتجه الاقتصاد فعلاً وما يستطيع إنتاجه عندما تُستخدم موارده بكفاءة أعلى.


وفي هذا السياق، يحتاج الأردن إلى نموذج تنموي يوازن بين التركيز والاتساع، فالمطلوب ليس توزيع الجهد والموارد على جميع القطاعات بالدرجة نفسها، ولا إطلاق دفعة واسعة يصعب تمويلها وقياس أثرها، بل اختيار محركات نمو محددة قادرة على تحريك بقية الاقتصاد. وبهذا المعنى، يصبح التركيز أداة لإحداث أثر أوسع، لا تضييقاً لمسار التنمية أو إهمالاً لبقية القطاعات.


وتبقى الإنتاجية في قلب هذا التحول، لأنها الرابط الأوضح بين اختيار محركات النمو وتحسين مستوى المعيشة، فرفع الدخل وتحسين حياة الناس لا يتحققان بصورة مستدامة عبر زيادة الإنفاق أو التوسع في التوظيف العام، بل عبر اقتصاد يستخدم موارده بصورة أفضل. وعندما ترتفع إنتاجية العامل والمؤسسة، تتحسن القدرة على دفع أجور أفضل، وتتوسع فرص النمو والتشغيل، وتصبح الإنتاجية معياراً عملياً في التعليم والتدريب والإدارة والاستثمار والخدمات.


ومع الإنتاجية، يبرز سؤال هيكل الاقتصاد ودور القطاع الخاص في توسيع قاعدته، فالسوق المحلي الأردني محدود، ولا يستطيع وحده أن يحمل طموح النمو والتشغيل؛ لذلك يصبح الوصول إلى أسواق أوسع شرطاً لتوسيع حجم الاقتصاد. وهنا لا تكون الدولة بديلاً عن القطاع الخاص، بل شريكاً في تهيئة بيئة تسمح للشركات بالنمو، وتربط الحوافز بالاستثمار والتشغيل وفتح الأسواق.


ومن خلال هذا الاتجاه، يستطيع الأردن تعزيز قطاعات أكثر قدرة على خلق القيمة، وفي مقدمتها الصناعة، والصناعات الدوائية، والتعدين والصناعات التعدينية، والزراعة الحديثة، والسياحة، والخدمات القابلة للتوسع خارجياً، ولا يكفي هنا إعلان القطاعات ذات الأولوية، بل لا بد من تحويل كل قطاع إلى مسار تنفيذي محدد: فرص استثمارية جاهزة، ونافذة ترخيص أسرع، وتمويل موجه، وتدريب مرتبط بحاجات السوق، ومؤشرات تقيس حجم الاستثمار وفرص العمل والصادرات.


وهذا التحول لا يكتمل من دون توظيف أفضل لعلاقات الأردن الاقتصادية مع الخارج، فالعلاقة مع الاقتصادات المتقدمة والمؤسسات الدولية لا ينبغي أن تبقى محصورة في التمويل أو الدعم الفني، بل يمكن أن تتحول إلى نقل معرفة، وبناء مهارات، وفتح أسواق، وربط الشركات الأردنية بسلاسل قيمة أوسع. وعندما تُوجَّه هذه العلاقات نحو قطاعات منتجة، تصبح رافعة للنمو الحقيقي لا مجرد مصدر تمويل مؤقت.


ويتصل ذلك أيضاً بإدارة المديونية، باعتبارها ملفاً لا يُعالج بالأدوات المالية وحدها، فاستدامة الدين لا تتحقق بمجرد ضبط الإنفاق أو إعادة ترتيب الأرقام، بل عبر توجيه التمويل نحو مشاريع ترفع الإنتاجية، وتزيد الناتج، وتخفف الكلف المستقبلية. وعندما يرتبط الاقتراض بمشاريع قادرة على توسيع القاعدة الإنتاجية ورفع الإيرادات، يصبح الدين أداة لبناء القدرة الاقتصادية، لا عبئاً يضغط على خيارات الدولة.


ولا تكتمل هذه المقاربة من دون حضور أوضح للمحافظات، فالمحافظات ليست فقط مناطق تحتاج إلى خدمات، بل تمتلك فرصاً اقتصادية يمكن أن تتحول إلى دخل وفرص عمل إذا أُحسن توجيهها. والمطلوب هو تحديد ما يميز كل محافظة، ثم ربط هذه الميزة بالتمويل والتدريب والأسواق، بحيث لا تبقى التنمية المحلية عنواناً عاماً، بل تتحول إلى مشروع منتج، ووظيفة حقيقية، وسوق قادر على النمو.


وبذلك يصبح العقل الاقتصادي المطلوب هو الذي يحوّل التوجهات الاقتصادية الوطنية إلى ممارسة يومية داخل المؤسسات، ويربط القرار بالنتيجة، والإنفاق بالأثر، والموارد المتاحة بفرص إنتاج ودخل وعمل أوسع، وهذا يتطلب نهجاً يقوم على الشفافية والمساءلة وقياس الأثر، حتى تصبح السياسات العامة أكثر قرباً من حياة الناس وأكثر قدرة على بناء الثقة. ورغم ضغوط الإقليم وشح الموارد، يبقى الاقتصاد الأردني قادراً على توسيع فرصه، متى تحولت الإمكانات المتاحة إلى إنتاجية أعلى، وقرارات أسرع، وشراكة أعمق مع القطاع الخاص، وثقة أكبر بالمستقبل.


مواضيع قد تهمك