اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

رمزي الغزوي : الناجون من التشابه

رمزي الغزوي : الناجون من التشابه
أخبارنا :  

ليست المشكلة في أن العالم صار صاخبا. المشكلة أنه صار يكره الأصوات التي لا تشبهه. كل شيء يدفع الإنسان إلى أن يكون نسخة أقل إزعاجا، وأكثر قابلية للاندماج. يتعلم منذ طفولته أن الموافقة أكثر أمنا من السؤال، وأن السير مع الجموع أقل كلفة من الوقوف على حافة الفكرة. وحين ينجح في تقليد الجميع، يصفقون له. وحين يختار أن يكون نفسه، تبدأ المسافة بينه وبين العالم في الاتساع.

نولد ونحن نبحث عن القبول. نريد حضنا يطمئننا، ونظرة تقول إن وجودنا مرغوب. ثم تمضي الأيام، فيكتشف بعضنا أن الطريق إلى الذات لا يمر دائما من بوابة التصفيق. هناك لحظة يدرك فيها الواحد منا أن الحفاظ على صوته قد يحرمه من أصوات كثيرة، وأن الصدق مع النفس يتركه أحيانا وحيدا في منتصف الطريق.

الوحدة التي يعرفها المختلف ليست غرفة خالية، ولا هاتفا لا يرن. إنها شعور دقيق بأنك حاضر في المكان، وغائب عن النسخ التي يريدها الآخرون منك. تجلس بينهم، تبتسم معهم، وتشاركهم الحياة، فيما شيء في داخلك يعرف أنك دفعت ثمن ألا تتخلى عن نفسك. لذلك تبدو الوحدة، في كثير من الأحيان، وجها آخر للحرية.

يزداد هذا الثمن في زمن الشاشات. لم يعد مطلوبا أن نفكر بالطريقة نفسها فقط، وإنما أن نغضب بالطريقة نفسها، ونصفق في اللحظة نفسها، ونكره الأشخاص أنفسهم، ونردد العبارات ذاتها. الخوارزميات لا تحب المختلفين. إنها تكافئ التكرار، وتمنح النسخ المتشابهة فرصة أكبر للانتشار. وهكذا يتحول التشابه إلى فضيلة اجتماعية، فيما يغدو التفكير المستقل مغامرة لا يجرؤ عليها كثيرون.

لهذا لا يخيف المجتمع الإنسان الصامت بقدر ما يخيفه الإنسان الذي يرى من زاوية أخرى. فالفكرة الجديدة لا تهدد لأنها أعلى صوتا، وإنما لأنها تكشف أن الطريق الذي يسير فيه الجميع ليس الطريق الوحيد. وكل جماعة تطمئن إلى يقينها تخشى من يفتح نافذة، لأن الهواء الجديد يربك الغرف المغلقة.

من يختار الاختلاف لا يبحث عن بطولة، ولا يطارد عزلة متعمدة. كل ما يفعله أنه يرفض أن يستبدل صوته بصدى الآخرين. يخسر كثيرا من الطمأنينة، ويكسب شيئا لا تمنحه الجموع: أن ينظر إلى المرآة فلا يرى غريبا يسكن ملامحه.

لهذا لا يبدو الناجون من التشابه أكثر الناس راحة، إنما أكثرهم وفاء لأنفسهم. يمشون بخطوات أقل، ويتركون آثارا أبعد. وحين تمتلئ الدنيا بالنسخ المتطابقة، يصبح الإنسان الذي احتفظ بصوته، ولم يساوم عليه، آخر دليل على أن الروح ما زالت تعرف الطريق إلى صاحبها.


مواضيع قد تهمك