اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. خالد الحريرات البطوش : التحكيم الرياضي من التقدير الشخصي الى الدقة الرقمية

د. خالد الحريرات البطوش : التحكيم الرياضي من التقدير الشخصي الى الدقة الرقمية
أخبارنا :  

مع اتساع المساحة التي تعمل فيها التقنيات الحديثة، وفي ظل تنامي حلول الذكاء الاصطناعي بدلا من القرار البشري، لا يمكن ان تبقى الرياضة استثناء على هذا التطور، فقد عرفت تلك التقنيات طريقها الى المساعدة في التنظيم والتدريب الرياضي، ثم تعمقت الى حد المشاركة في ضبط المنافسات واتخاذ القرار الحاسم في تحديد الفريق الفائز، ومن اوائل الرياضات التي استخدمت تقنية التصوير المتحرك في التحكيم لعبتا الكريكيت والرجبي، ثم اختبرت كرة القدم هذه التقنية لاول مرة في هولندا عام 2012، وبعد ذلك جرى تقنين استخدامها في قواعد التحكيم لدى الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) منذ عام 2018.

لم يكن دخول تقنية التسجيل المصور في تحكيم الالعاب الرياضية محلا لاتفاق المعنيين بالِشأن الرياضي، فهناك من رأى في إقحام التكنولوجيا في الالعاب تقييدا للإبداع، ودعا الى ابقاء الرياضة نشاطا بشريا لا آليا، فإخضاع الحركة العضوية للضبط الآلي يشكل تجاهلا للانفعال الانساني المرافق وافراغا للحظة من انسانيتها، واذا كان هذا النظام – حسبما يرى معارضوه- قادرا على استرجاع الحركة الا انه يبقى عاجزا عن تصوير هذا التزامن، ويذهب خصوم حكم الفيديو المساعد( الفار) الى انه ينزع البعد الانساني عن لحظة لا تحتمل وضعها تحت مجهر التدقيق، وقبل كل ذلك يخلق افتراضا يتجاوز القدرة البشرية على الملاحظة، فالرؤية المجردة لا تحيط بالمشهد الحركي من كل الزوايا، وقد تغفل العين عن رصد كل ما يجري، وعند هذا النقص يغدو الاعتماد على الحكم الانسان متناغما مع حقيقة القصور البشري، يعترف به ولا يتعالى عليه، ولعل هذا ما يحتاجه البشر لابقاء الرياضة في فضاء الانفعالات الانسانية وليس في تصنيف الالعاب الكترونية.

في المقابل، يسوق انصار الاعتماد على تقنية الفيديو في التحكيم حججا عملية تهدف الى تقليص حجم الخطأ البشري في رصد المخالفات، وإعلان نتيجة عادلة تنصف اللعب المحترف، وبالتالي تحد من الاداء العنيف، وتعمل على تشجيع المهارات الفردية، وبهذا المنطق نجحت جهود هذا الاتجاه في تثبيت حكم الفيديو المساعد ( الفار) ضمن قواعد تحكيم المباريات في الاتحاد الدولي لكرة القدم.

هناك حرص في الاتحاد الدولي على حصر هذه التقنية في نطاق ضيق يتعلق برصد التجاوزات الخطيرة، وتدقيق صحة الاهداف، واستظهار مخالفات التسلل، وتتجه الممارسة العملية الى عدم التوسع اكثر من ذلك، فالمبالغة باستخدام هذه التقنية في كل تفاصيل ومجريات المباريات تنقلب بها من اداة للدقة في التحكيم الى وسيلة تستغرق وقت المبارة وتعرقل انسيابية اللعب، مما يُفقد المباراة إثارتها ويبدد روعتها، ولعل احدى صور هذا السيناريو غير المرغوب هو احجام من يحرز هدفا عن الاحتفال الى حين تأكيد صحة التسجيل عبر هذه التقنية على نحو ينزع الإثارة من اللعب ويقلب حماس الجمهور الى فتور.

لتحقيق عدالة التحكيم، ليس من الضروري تحويل ساحة الملعب الى قاعة محكمة، ولضبط المباراة يجب الا يصل كل احتكاك بين اللاعبين الى مرتبة دليل يستدعي التمحيص، فالروح القتالية التي تنهض بها الرياضة وتؤديها الالعاب تأبى هذا التدقيق، ولعل ما يحتاجه تطوير الرياضة وخلق بيئة تنافسية تشجع الإبداع وتدعم اللعب النظيف ليس الغاء تقنية الفيديو في التحكيم، وانما تخليص التحكيم البشري من الانحيازات ايا كان مبعثها، ولا شك ان الرهان على نزاهة الحكام عامل منتج الى ابعد الحدود، ولكن للحد من مخاطر انتقائية الرجوع الى تقنيات التسجيل المصور كمعاملة تفضيلية لفريق دون اخر، يمكن قوننة اللجوء الى هذا الاجراء في قواعد واضحة، وقد يكون منح كل فريق عددا محددا من المرات بالتساوي يمكن له فيها طلب استرجاع التسجيل المصور من الحكم وسيلة مناسبة لاشراك الفريقين في القرار، وضمانة هامة لترشيد استخدام هذه التقنية لصالح الفريقين عند الحاجة ودون محاباة.

ــ الدستور


مواضيع قد تهمك