اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

لما جمال العبسة : الرقابة العالمية على«السحابة المالية»

لما جمال العبسة : الرقابة العالمية على«السحابة المالية»
أخبارنا :  

الخدمات السحابية التي أصبحت اليوم ركيزة اقتصادية في مختلف القطاعات، وهي نفسها التي قد تتحول إلى نقطة ضعف خطيرة إذا لم تُحكم الرقابة عليها، فهي توفر موارد حاسوبية مثل التخزين والخوادم وقواعد البيانات عبر الإنترنت بدلاً من امتلاكها محلياً، مما يقلل التكاليف التشغيلية ويتيح الوصول إلى المعلومات في أي وقت ومكان، هذه الأهمية جعلتها جزءاً أصيلاً في أعمال القطاع المصرفي، حيث لم تعد مجرد خيار تقني، بل تحولت إلى بنية تحتية يُعتمد عليها في إدارة المعاملات المالية وحفظ البيانات الحساسة وتشغيل أنظمة الدفع الرقمية.

وبموازاة هذه الأهمية، يبرز خطر متنامٍ يتمثل في الاختراقات السيبرانية، التي تتطور بوتيرة أسرع من التطورات التكنولوجية نفسها، لتصبح تهديداً مباشراً لاستقرار الأنظمة المالية والمصرفية، هذا الواقع دفع دولاً عديدة إلى بذل جهود متقدمة للارتقاء بمستوى أمنها السيبراني، فعلى سبيل المثال أطلق الاتحاد الأوروبي تشريع DORA الذي يفرض رقابة صارمة على مزوّدي الخدمات السحابية، فيما تبنت بريطانيا رسميا قبل يومين قراراً يخضع المزودين لإشراف مباشر من بنك إنجلترا وهيئات الرقابة المالية، بينما سنغافورة وأستراليا وضعتا أطراً تنظيمية تلزم المؤسسات المالية بعقود واضحة تضمن حقوق التدقيق والرقابة، وهذه الخطوات جاءت نتيجة إدراك أن الشركات العالمية التي تزود هذه الخدمات لا تواجه مشكلة في تسريب المعلومات، فما بالك بعمليات الاختراق السيبراني التي قد تكون أكثر خطورة وأوسع تأثيراً، وهو ما دفع الحكومات إلى اتخاذ قرارات حاسمة تهدف إلى الحفاظ على الأمن السيبراني كجزء من أمنها الاقتصادي.

وإذا كانت هذه القرارات تُتخذ في العواصم الكبرى، فإن انعكاساتها تصل مباشرة إلى دول مثل الأردن الذي يشهد انفتاحاً متسارعاً على التكنولوجيا في كافة المجالات، خاصة على التكنولوجيا المالية، ولم يغفل عن أهمية الأمن السيبراني بالتوازي مع التقدم التكنولوجي، فكان هناك المجلس الوطني للأمن السيبراني الهادف إلى بناء منظومة فعّالة للأمن السيبراني على المستوى الوطني وتطويرها وتنظيمها لحماية المملكة من أي تهديدات، ولأن القطاع المصرفي المحلي أحد أهم القطاعات الاقتصادية الوطنية، والبنك المركزي الأردني أحد أعضاء المجلس، فإن الحديث عن أهمية الخطوات التي اتخذتها دول كبرى يصبح ضرورة، خاصة وأن الخدمات المصرفية والمالية حول العالم باتت تعتمد على التكنولوجيا في كافة خدماتها، من المحافظ الإلكترونية إلى الدفع عبر الهاتف والتحويلات الرقمية.

هذا التوجه العالمي لا يمكن تجاهله، فالاعتماد على مزوّدين عالميين مثل مايكروسوفت وأمازون وجوجل يعني أن أي خلل أو هجوم عليهم سينعكس مباشرة على المملكة بكافة القطاعات والمجالات، وهنا يبرز دور المجلس الوطني للأمن السيبراني، الذي يمكن أن يستفيد من هذا التوجه العالمي عبر صياغة إطار رقابي محلي يفرض معايير واضحة على المؤسسات المالية والمصارف في تعاملها مع الخدمات السحابية، من خلال أدوات عملية لمتابعة الأداء وضمان المرونة التشغيلية.

إن تبني الأردن لخطوة مشابهة سيحقق أثراً إيجابياً مزدوجاً، من جهة، يعزز ثقة المواطنين والمستثمرين بأن النظام المالي محمي ضد المخاطر الرقمية؛ ومن جهة أخرى يضع المملكة في موقع متقدم إقليمياً، وقادر على مواكبة المعايير الدولية في حماية البيانات المصرفية، وبهذا الشكل يصبح الأمن السيبراني سياسة اقتصادية - أمنية متكاملة، تضمن أن الانفتاح التكنولوجي الأردني يسير بخطى آمنة نحو المستقبل.

الرقابة على الخدمات السحابية لم تعد ترفاً أو خياراً، بل شرطاً وجودياً لبناء اقتصاد رقمي آمن ومستدام، والأردن أمام فرصة بأن يترجم هذا التوجه العالمي إلى قرار وطني يحمي مستقبله المالي ويعزز مكانته الإقليمية، ويجعل من حماية البيانات المصرفية ركيزة أساسية في مسيرة التحول الرقمي الوطني.

ـــ الدستور


مواضيع قد تهمك