محمد ابو رمان : الحرب وتشكيل الوعي السياسي الأردني
كيف تعيد الحرب الأميركية- الإيرانية تشكيل الوعي العربي- والأردني؟ هذا ما تكشفه لنا القراءة في تقرير الباروميتر العربي (Arab Barometer) الأخير، الآراء العامة الإقليمية وتنافس القوى الكبرى في ظل تصاعد الصراع، وقد أُنجز المسح في الأردن في تشرين الأول/أكتوبر 2025، في لحظة كانت الحرب فيها تعيد ترتيب المشهد الإقليمي.
في العلاقة مع القوى الكبرى، يظهر التحول الأردني بوضوح؛ فقط 26 % من الأردنيين لديهم نظرة إيجابية إلى الولايات المتحدة، مقابل 60 % للصين، وهو تحول مهم وجوهري يعكس تراجع الثقة بالولايات المتحدة، ويتأكد ذلك أكثر حين نلاحظ أنّ 24 % فقط من الأردنيين يرون أنّ واشنطن تحمي القانون الدولي، مقابل 29 % للصين، إذ تكشف هذه الأرقام تحسناً كبيراً في «صورة الصين» أردنياً مقارنة بتعزيز الاتجاه السلبي نحو السياسة الأميركية، التي ينظر إليها – والكلام لكاتب هذه السطور- بوصفها متحالفة بصورة كاملة مع سياسات بنيامين نتنياهو.
وفي سؤال الأمن الإقليمي، تتعمق هذه الصورة، إذ يرى 41 % من الأردنيين أنّ السياسة الصينية أفضل للحفاظ على أمن المنطقة، مقابل 9 % فقط للولايات المتحدة. هذه النسبة تعكس تحوّلاً نوعياً، لا لأنّ الصين باتت قوة أمنية في المنطقة، بل لأنّ الرأي العام بات يرى في السياسات الأميركية جزءاً من المشكلة، لا من الحل، ولا يقتصر هذا الاتجاه على الأردن، بل يمتد عربياً، إذ تتقدم الصين في صورتها العامة في معظم الدول، في مقابل تراجع واضح للولايات المتحدة، لكن الأردن يبدو أكثر وضوحاً في هذه المفاضلة، وربما أكثر صراحة في التعبير عنها.
في المقابل، حين ننتقل إلى إيران، تتبدى خصوصية الحالة الأردنية، فالنظرة الإيجابية لإيران لا تتجاوز 24 %، وتنخفض أكثر تجاه قيادتها (16% لعلي خامنئي، وقد أجري الاستطلاع قبل مقتله ، فيما يرى 52 % من الأردنيين أنّ نفوذها السياسي يمثل تهديداً خطيراً، وفي مقارنة هذه الأرقام تضع الأردن مع دول مثل لبنان (77 % يرون إيران أكثر دعماً للفلسطينيين) أو العراق (62 %)، تبدو النظرة هناك إلى إيران أكثر إيجابية نسبياً، وفي المقابل، فإنّ النظرة الأردنية أقل سلبية من دول أخرى مثل سوريا، ما يجعل الأردن في موقع «وسط» بين المواقف العربية، ولا يخفى على القارىء أنّ الاختلاف يعود إلى النفوذ الإيراني والانقسامات الطائفية في المنطقة بين هذه الدول.
يظهر المفصل الحقيقي في الوعي الأردني- والعربي في ترتيب التهديدات، إذ يرى 80 % من الأردنيين أنّ الاحتلال الإسرائيلي يمثل تهديداً خطيراً، مقابل 52 % يصفون إيران بذلك، ويتقاطع هذا الترتيب مع المزاج العربي العام، إذ تتصدر إسرائيل قائمة التهديدات في معظم الدول (تصل إلى 86 % في مصر و85 % في سوريا و82 % في فلسطين)، مما يؤشر أنّه أيّاً كان الموقف من إيران في الرأي العام العربي (في هذه الدول)، فإنّ هنالك عقيدة مركزية ترى إسرائيل خطراً أمنياً وإقليمياً.
تكشف الأرقام الانهيار الكامل في الثقة بالولايات المتحدة، إذ يرى 85 % من الأردنيين أنّ واشنطن منحازة لإسرائيل على حساب الفلسطينيين، مع ذلك فإنّ الغالبية من الأردنيين لا تزال تتمسك بالتسوية السلمية وحل الدولتين (69 % ) في المقابل، لا يؤيد التطبيع مع إسرائيل بصيغته الحالية سوى 4 % فقط، وترتفع النسبة إلى 27 % حتى في حال الاعتراف بدولة فلسطينية.
إذا وضعنا هذه الأرقام في سياق واحد، تتضح صورة أوسع في الوعي السياسي الشعبي الأردني: تراجع حاد في صورة الولايات المتحدة، ليس فقط سياسياً بل أخلاقياً؛ صعود نسبي للصين، بوصفها مستفيداً من هذا التراجع أكثر من كونها بديلاً كاملاً؛ موقف حذر من إيران، لا ينزلق إلى العداء المطلق ولا إلى القبول؛ ومركزية متجددة للقضية الفلسطينية بوصفها معيار الحكم على الجميع.