بشار جرار : فاصلة «الخِرْبِة» المنقوطة!
لتفادي ضغوط الحياة والمهنة -مهنة البحث عن المتاعب- ثمة عادات صحية، رخيصة، سهلة وآمنة، متاحة للجميع، بعيدا عما لا تحمد عقباه من بدائل، غير صحية أو غير قانونية.
الضحك والبكاء على ما بينهما من تناقض، يفرّجان الهمّ ويجليان الفهم. طبعا، الضحك والبكاء الصحي، في المكان والزمان والسبب والقدر المناسب، وإلا انقلب الدواء إلى داء.
مما أحرص عليه بداية يومي ونهايته، وأحيانا في أوقات أخرى ما بين الصباح والمساء، قراءة وسماع ومشاهدة ما تدمع له العينان خشية أو فرحا أو اعتزازا. وعادة ما تكون تلك مواد متاحة عبر الألواح الذكية. بضع نقرات، وتكون بين يديك ما تبحث عنه.
ولتحقيق التوازن الانفعالي واستدامته بفاعلية، أحرص أكثر على قراءة وسماع ومشاهدة ما يضحك، حتى وإن كان تافها أو معارضا لقناعاتي. الغاية هي الضحك العميق، وإن أمكن القهقهة إلى حد إسالة الغدد الدمعية وتنشيط الصدر بسعال ناجم عن الضحكات الفجائية أو المتلاحقة، ووجع الخاصرتين من شدة الضحك!
أعلى المشاهدات اليومية، من نصيب الكوميديا الأردنية أيام «حارة أبو عواد» و»العلم نورٌ» وبعض حلقات «الجار قبل الدار» ونجوم «أخبرهم يا صلاح». وكذلك الكوميديا السورية، من أيام غوار الطوشة وحسني البورزان، وحتى رائعتيْ «ضيعة ضايعة» و»الخربة»، فضلا عن الكوميديا المصرية بالأبيض والأسود، أيام العملاق الراحل نجيب الريحاني رحمة الله عليه، وحتى نجوم مسلسل «اللعبة» و»الكبير أوي»!
معلوم أن الكوميديا التي تفرح القلب وتنعش الصدر وتعدل البال وتصلح الحال لا تنحصر في الأعمال الفنية، فالسياسة العالمية بما فيها تلك الساخنة، صارت مادة خصبة للـ «قفشات»، والبرامج الكوميدية السياسية أو الهجاء السياسي. هي أيضا جزء من مادتي اليومية للترويح عن النفس، لكن منها ما يغث البال، سيما ذلك المحتوى الذي لا تستطيع بعد متابعة بعض ما يقال أو يكتب عنه في المواقع أو البرامج، التفريق بين الهزل والجد، والفصل بين مَن؟ مع مَن؟
هذه الأخيرة مخيفة، وتحولت من مشكلة إلى معضلة مع تكرار الأزمات والحروب في عالم اليوم ومشرقنا العظيم. الروايات والسرديات ذاتها في أربع حروب شهدها الخليج العربي في نصف قرن. تكاد تكون لدى البعض سواء في أحاديثهم الصريحة أو دردشات الخاصة المغلقة، تكاد تكون متقاطعة، وأحيانا متطابقة مع ما يقال في كل موقف، يتطلب وقفة صدق مع الذات أولا، ومع الآخر أيضا. كذلك الذي يتحرج من إدانة العدوان الإيراني حتى لا يوصم بأنه مع من يقصفها هو وأدواتها، عملائها من الميلشيات التي ثبت أنها تدار عن بعد مما يسمى «الحرس الثوري» لما عرف بـ «الجمهورية الإسلامية في إيران»!
يعيب بيننا كثيرون على الآخر على «معاييره المزدوجة»، وفينا من لا ترى فيما يصدر عنهم في المحن والملمات أي وضوح. تحار إن كانت ناجمة عن انعدام القدرة على رؤية الأمور بجلاء، أم أن الأمر فيه شيء من «التقية» أو الانتهازية طلبا للمال السحت أو الشعبوية الكذّابة الخدّاعة والعياذ بالله.
تحاجج البعض منهم فيما يقول، وتعاتبه عتاب المحب بينك وبينه عملا بأدب النصيحة أو العتاب، فيسارع إلى القول أنا لست منهم «من المتأيرنين أو الإخونج مثلا»، يقول أنا معكم أو مع أنفسنا، مع الأردن المفدى.. تنظر في الأقوال والأفعال فلا ترى إلا النقيض. «كبُر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون»، كما جاء في الذكر الحكيم.
من الآخر، ثمة حاجة إلى جهة ثقافية، إعلامية، قانونية تساعدنا على تفعيل استخدام مقولة الفنان السوري المبدع باسم ياخور في دوره الرائع بمسلسل الخربة! ثمة حاجة إلى «الفاصلة المنقوطة» التي كان يتحدث عنها كلما تطلّب الأمر شجاعة في قول الحق، دون أن يفسد لود القرابة والجيرة قضية.. لا بد من الفصل، الفرز ووضع النقاط على الحروف في مسائل ما عادت تحتمل أشباه المواقف ولا أنصاف الحلول. هي كما في أي صراع إن كان بين الحق والباطل. وهي أيضا في حال كان الوطن مستهدفا من أي طرف كان، لا يكون القول الفصل إلا منقوطا.. وتحته خط أحمر مغلّظ، بأن مصالح الدار والديرة، هي المعيار والبوصلة، الشراع والمرساة..
من غير المعقول ولا المقبول أن يعزز طرف موقف وسردية عدو بلاده. وما عادت العلاقات الدولية على تعقيداتها الأمنية والاقتصادية تحتمل الأخذ بمقولات أكل عليها الدهر وشرب، كعدو عدوي صديقي، أو صديق عدوي، عدوي! اللهم محبة وحكمة وقوة..