د. دانيلا عدنان القرعان : قراءة في زيارة الملك لنسور الجو
في لحظاتٍ مضطربة من عمر الإقليم، لا تُقرأ الزيارات الرسمية بمعناها البروتوكولي، بل بما تختزنه من رسائل صامتة، وما تفتحه من نوافذ على ما يجري خلف الكواليس. من هذا الباب، يمكن قراءة زيارة جلالته إلى طيّاري سلاح الجو الملكي بوصفها أكثر من مجرد لقاء معنوي بل إعلاناً هادئاً عن يقظة دولة في قلب عاصفة.
الأردن، بحكم موقعه الجغرافي، لم يعد يقف على هامش التوترات، بل بات في تماسٍ مباشر مع مساراتها، سماؤه لم تعد فقط فضاءً سيادياً مغلقاً، بل تحولت –بفعل تطورات الصراع– إلى ممر محتمل لأجسام طائرة وصواريخ عابرة ومسيّرات تبحث عن أهدافها في خرائط مشتعلة تمتد من غزة إلى ما ورائها، وفي ظل احتدام المواجهة المباشرة وغير المباشرة تصبح كل دولة في هذا المدى الجغرافي معنية، شاءت أم أبت.
هنا تحديداً، تكتسب الزيارة معناها الأعمق، فهي في ظاهرها، دعم لرجال يحملون مسؤولية السماء، لكنها في جوهرها رسالة متعددة الاتجاهات، إلى الداخل تقول الدولة حاضرة يقظة تراقب وتستعد وأن ما يجري حولها لا يمر دون حساب وإلى الخارج تحمل نبرة أكثر حذراً لكن واضحة: المجال الجوي الأردني ليس ساحة مفتوحة، ولا جزءاً من معركة الآخرين.
ليست هذه الرسائل جديدة في قاموس السياسة الأردنية، لكنها اليوم تأتي في سياق مختلف؛ سياق تتغير فيه طبيعة التهديد ذاته، لم تعد المواجهات الجوية تقليدية، بين طائرات تُرى وتُرصد، بل أصبحت معقّدة، تعتمد على مسيّرات صغيرة، وصواريخ منخفضة الارتفاع، وقدرات تتجاوز في بعض الأحيان أنظمة الرصد الكلاسيكية، وهذا ما يرفع من قيمة سلاح الجو، لا كأداة دفاع فقط، بل كخط إنذار مبكر، ودرع أول في مواجهة المجهول.
اللافت في الزيارة أيضاً أنها تنسجم مع نهج أردني ثابت وهو الاستعداد دون استعراض، والردع دون ضجيج، فالأردن، الذي يوازن بدقة بين التزاماته الإقليمية والدولية، وبين حرصه على عدم الانجرار إلى صراعات مفتوحة، يدرك أن الرسائل الأقوى ليست دائماً تلك التي تُقال، بل تلك التي تُفهم.
في هذا المعنى، يمكن اعتبار الزيارة جزءاً من خطاب غير معلن، موجه إلى كل من يعنيه الأمر، بأن عمّان تراقب، وتفهم، وتستعد، لكنها لا تصرخ، خطاب يقول: إن الحياد لا يعني الغفلة، وإن الهدوء لا يعني الضعف، وإن السماء –كما الأرض– لها حراسها.
وبينما تستمر المنطقة في إعادة تشكيل ملامحها على إيقاع التصعيد، تبدو مثل هذه الخطوات بمثابة تثبيت لمعادلة أردنية واضحة: البقاء خارج أتون الصراع، دون التخلي عن الجاهزية الكاملة للدفاع عن السيادة، وهي معادلة دقيقة، لا تُحفظ بالشعار، بل تُصان بالفعل، وبحضور القائد بين رجاله، في المكان الذي تبدأ منه الحكاية السماء. ــ الدستور