الأخبار

فراس النعسان : اتفاق قد يولد مكسوراً.

فراس النعسان : اتفاق قد يولد مكسوراً.
أخبارنا :  

اليوم، بينما يحبس العالم أنفاسه ترقباً لانتهاء مهلة واشنطن لإيران، لا يتمثل السؤال الحقيقي في ما إذا كان اتفاق وقف إطلاق النار سيُعلن، بل في ما إذا كان سيعيش طويلاً بعد إعلانه. فالمشهد السياسي والعسكري الحالي يوحي بأن أي اتفاق محتمل قد يولد هشّاً، محمّلاً بأسباب فشله منذ اللحظة الأولى، ولا ننسى أنه في كل مرة يقترب فيها الشرق الأوسط من هدنة، يبدو وكأن المنطقة لا تنتظر السلام بقدر ما تنتظر لحظة انهياره.

المعضلة الأساسية لا تكمن فقط في الخلاف الأمريكي الإيراني، بل في التناقض العميق بين منطق التسويات ومنطق الحرب الذي يحكم سلوك الأطراف الفاعلة، وعلى رأسها إسرائيل. فالحكومة الإسرائيلية الحالية لا تنظر إلى المواجهة باعتبارها جولة قابلة للإغلاق باتفاق سياسي، بل باعتبارها صراعاً مفتوحاً لإعادة رسم قواعد الردع في المنطقة. ولهذا، فإن القبول بوقف شامل لإطلاق النار، خاصة إذا شمل وقف العمليات ضد حزب الله، يعني عملياً التخلي عن إحدى أهم أدوات الضغط العسكري التي تعتبرها إسرائيل ضمانة أمنية لا يمكن التفريط بها.

من هنا ينبع الشك المتزايد لدى مراقبين كثر بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لن يسمح باتفاق يقيد حرية الحركة العسكرية الإسرائيلية على المدى الطويل. فبالنسبة له، الحرب ليست فقط خياراً أمنياً، بل ضرورة سياسية داخلية أيضاً. أي هدوء طويل قد يعيد النقاش فوراً إلى الداخل الإسرائيلي: المسؤوليات، الإخفاقات الأمنية، ومستقبل القيادة السياسية. وفي بيئة سياسية مضطربة، يصبح استمرار التوتر أقل خطورة من نهايته.

في المقابل، تصر إيران على معادلة مختلفة تماماً. فهي لا تبحث عن هدنة مؤقتة، بل عن نهاية واضحة للحرب تضمن وقف الضربات الإسرائيلية في مختلف الجبهات، وخصوصاً لبنان. هذا الشرط تحديداً يشكل العقدة الأكثر تعقيداً، لأنه يضع الطرفين أمام تعريفين متناقضين للأمن: إيران ترى الاستقرار في وقف النار، بينما ترى إسرائيل الأمن في الاحتفاظ بحق إطلاقه متى شاءت. وبين هذين التعريفين، يصبح الاتفاق مجرد صيغة لغوية قابلة للتفسير المتضارب أكثر منه تسوية حقيقية.

التجارب السابقة لا تبعث على التفاؤل. فقد أثبتت السنوات الأخيرة أن الاتفاقات في المنطقة غالباً ما تنهار ليس بسبب قرار كبير، بل نتيجة حادث صغير على الحدود أو ضربة محدودة يعاد تفسيرها سياسياً لتبرير العودة إلى التصعيد. وهنا تكمن خطورة المرحلة المقبلة، فالاتفاق قد لا يسقط بإعلان رسمي، بل بالتآكل التدريجي، حتى يصبح وجوده شكلياً فقط.

لذلك، فإن الرهان الحالي على الدبلوماسية يبدو أقرب إلى محاولة شراء الوقت منه إلى صناعة سلام دائم. قد تنجح الضغوط الدولية في فرض تهدئة مؤقتة، وقد تُفتح الممرات الدبلوماسية مجدداً، لكن غياب الثقة العميق بين الأطراف، وتضارب الأهداف الاستراتيجية، يجعلان أي وقف لإطلاق النار أقرب إلى استراحة بين جولتين لا نهاية للحرب.

في الشرق الأوسط اليوم، المشكلة لم تعد في الوصول إلى الاتفاقات، بل في الإيمان بها. وربما لهذا السبب تحديداً، يخشى كثيرون أن الاتفاق القادم، إن وُقّع، فلن يكون بداية النهاية، بل مجرد فصل جديد في صراع لم يقرر أحد بعد أن يضع له خاتمة. ــ الدستور

مواضيع قد تهمك