أ. د. ليث كمال نصراوين : تعويض الأردنيين عن أضرار العدوان الإيراني
قرر مجلس الوزراء قبل أيام تعويض المواطنين الذين تضررت أموالهم وممتلكاتهم الخاصة جراء سقوط شظايا الصواريخ والمسيرات نتيجة الأحداث الإقليمية الراهنة. ويعكس هذا القرار استجابة إنسانية مباشرة من الحكومة، تنبع من مسؤوليتها الاجتماعية والتضامنية، أكثر من كونه التزاما قانونيا مفروضا عليها. فالتعويض عن الضرر في القانون الأردني، وفق أحكام المادة (256) من القانون المدني، يقوم على أساس وجود فعل ضار منسوب إلى شخص أو جهة محددة، وقيام علاقة سببية تربطه بالضرر. وبانتفاء هذين العنصرين، تنتفي المسؤولية القانونية بمعناها الدقيق.
ومن حيث التكييف القانوني، فإن الأضرار الناتجة عن العمليات العسكرية العابرة للحدود تعد صورة واضحة من صور القوة القاهرة وفق أحكام القانون الأردني، باعتبارها أحداثا طارئة استثنائية تقع خارج نطاق سيطرة الدولة وإرادتها، ولم يكن بالإمكان توقعها أو دفعها. فالدولة الأردنية ليست طرفا في النزاع الدائر حاليا، الأمر الذي ينفي عنها أي علاقة مباشرة بالأضرار التي لحقت بالأردنيين، ويؤكد انتفاء المسؤولية التقصيرية عنها وفق أحكام القانون، القائمة على أساس الخطأ أو التقصير الذي يتسبب بإلحاق ضرر بالغير يوجب الضمان.
وإذا كانت المسؤولية القانونية تنتفي داخليا بحق الدولة الأردنية لقيام حالة القوة القاهرة، فإن ذلك لا يعني ضياع الحق في التعويض، بل يقتضي نقل المطالبة إلى إطارها الصحيح في القانون الدولي. فالدولة التي يصدر عنها فعل غير مشروع دوليا تتحمل تبعة ما ينشأ عنه من أضرار، وهو مبدأ مستقر يقضي بأن كل فعل غير مشروع دوليا يستتبع مسؤولية الدولة التي ارتكبته. وقد كرس مشروع لجنة القانون الدولي بشأن مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دوليا لعام 2001 هذا الأصل بشكل صريح، كما أوجب على الدولة المسؤولة جبر الضرر كاملا، سواء كان ماديا أو معنويا.
ويتوافق هذا مع ما استقر عليه اجتهاد محكمة العدل الدولية، التي قررت في العديد من أحكامها أن التعويض في إطار المسؤولية الدولية يقوم على أساس إعادة الحال إلى ما كان عليه قدر الإمكان، أو دفع ما يعادل ذلك ماليا عند تعذر الإعادة. وفي هذا السياق، قضت محكمة العدل الدولية في قضية الأنشطة المسلحة على أراضي الكونغو (جمهورية الكونغو الديمقراطية ضد أوغندا)" في حكمها الصادر عام 2005 بشأن المسؤولية، ثم في حكم التعويض عام 2022، بإلزام أوغندا بدفع تعويضات عن الأضرار البشرية والمادية والاقتصادية الناتجة عن تدخلها العسكري، بما في ذلك الأضرار التي لحقت بالأفراد والممتلكات داخل إقليم دولة أخرى.
وفي ضوء هذه القواعد، فإن الأضرار التي لحقت بالأراضي الأردنية وبممتلكات مواطنيها نتيجة أعمال عسكرية غير مشروعة تعد إخلالا بالالتزامات الدولية، ولا سيما تلك المرتبطة باحترام سيادة الدول وسلامة إقليمها، وهو ما يشكل أساسا قانونيا لقيام المسؤولية الدولية. وانطلاقا من ذلك، يملك الأردن أساسا قانونيا واضحا للمطالبة بالتعويض عن هذه الأضرار، سواء تعلقت بممتلكات عامة أو خاصة.
ويستند هذا الحق إلى ركنين اثنين متكاملين؛ أولهما حق الدولة في حماية سيادتها الإقليمية وعدم المساس بها، وثانيهما ممارستها لما يعرف بالحماية الدبلوماسية لمواطنيها، وهو مبدأ مستقر في القانون الدولي يجيز للدولة المطالبة بالتعويض عن الأضرار التي تصيب رعاياها نتيجة أفعال غير مشروعة دوليا.
أما من حيث الوسائل، فيمكن أن تتخذ هذه المطالبة عدة مسارات قانونية، تبدأ بالمفاوضات الثنائية استنادا إلى مبدأ حسن النية، وقد تتطور إلى اللجوء إلى التحكيم الدولي، أو إلى محكمة العدل الدولية متى توافرت شروط اختصاصها، سواء من خلال اتفاق خاص بين الدولتين أو استنادا إلى قبول مسبق لاختصاص المحكمة. إلا أن التجربة العملية تكشف أن تفعيل هذه المسؤولية يظل خاضعا لجملة من التحديات، من أبرزها القيود الإجرائية المعقدة، وطول أمد النزاعات، وتمسك الدولة المتسببة بمبدأ السيادة لرفض الخضوع للاختصاص القضائي الدولي، فضلا عن ارتباط تنفيذ الأحكام بالإرادة السياسية للدول.
وتكشف هذه المعطيات عن مفارقة واضحة في بنية النظام القانوني الدولي، حيث تتقرر المسؤولية من الناحية النظرية بشكل جلي، لكنها تواجه صعوبات جدية عند التطبيق. وفي ظل هذا الواقع، تجد الدولة نفسها أمام عبء مزدوج يتمثل في تعويض مواطنيها استنادا إلى مسؤوليتها الاجتماعية، والسعي في الوقت ذاته إلى ملاحقة الدولة المسؤولة دوليا استنادا إلى قواعد المسؤولية الدولية.
خلاصة القول، إن تعويض المواطنين عن أضرار العدوان الإيراني يجسد دور الدولة في تحقيق العدالة الاجتماعية وحماية أفرادها، لكنه لا يغني عن مسار قانوني دولي جاد يكرس حق الأردن في التعويض، ويؤكد أن سيادته وسلامة إقليمه لا يجوز أن تكونا محل انتهاك بلا مساءلة دولية.
* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية
laith@lawyer.com