الأخبار

د. خالد الشقران : خطوة وفرصة اقتصادية مهمة

د. خالد الشقران : خطوة وفرصة اقتصادية مهمة
أخبارنا :  

في سياق إقليمي تختطف فيه الحروب والصراعات الاستقرار وتتفاقم كلفها السياسية والاقتصادية على دول المنطقة، وتتعاظم فيه أهمية الممرات الاقتصادية والتجارية الآمنة بين الدول والقارات، يبرز التعاون الثلاثي بين الأردن وسوريا وتركيا كخطوة تحمل في جوهرها رهانا اقتصاديا مباشرا بالنسبة للأردن، ينطلق من تعزيز الأطر التنسيقية بهدف إجراء إعادة تموضع حقيقية ضمن خريطة التجارة الإقليمية والدولية.

 

يقف الأردن أمام فرصة استراتيجية لإعادة تفعيل دوره كمركز عبور رئيسي يربط الخليج ببلاد الشام وتركيا وصولا إلى أوروبا، وهو دور تراجع خلال سنوات بفعل إغلاق الحدود وتعطل سلاسل الإمداد وحركة الترانزيت عبر المملكة، واستعادة هذا المسار ستساعد إلى حد كبير في تجديد قدرة الاقتصاد الأردني على الاستفادة من حركة الترانزيت، بما ينعكس على حركة الصادرات والمنتجات والتجارة الأردنية والإيرادات الجمركية، وقطاع النقل البري، والخدمات اللوجستية، والمناطق الحرة التي يمكن أن تتحول إلى منصات إعادة تصدير ذات قيمة مضافة.

الفائدة الاقتصادية الأولى تتجلى في خفض كلف النقل والتجارة، حيث إن فتح خطوط برية مباشرة مع سوريا وتركيا يختصر الزمن والمسافة أمام الصادرات الأردنية، خاصة نحو الأسواق التركية والأوروبية، وهو ما سيمنح المنتج الأردني قدرة تنافسية أعلى، ويعزز فرص التوسع في الأسواق الخارجية، بعد أن كانت الكلفة اللوجستية تمثل عبئا يحد من الانتشار.

أما على مستوى التجارة البينية، فإن هذا التعاون يفتح المجال أمام زيادة حجم التبادل التجاري، سواء من خلال تسهيل تدفق السلع أو عبر إقامة شراكات صناعية مشتركة، فالأردن بما يمتلكه من بنية تحتية مستقرة وبيئة استثمارية منظمة، يستطيع أن يستقطب استثمارات في قطاع التخزين والتوزيع، وأن يتحول إلى عقدة لوجستية تخدم الأسواق المجاورة، مستفيدا من موقعه كحلقة وصل بين ثلاث كتل اقتصادية ذات أهمية بالغة للاقتصاد الأردني.

قطاع النقل الأردني سيكون من أبرز المستفيدين، حيث يعني تفعيل الممرات البرية زيادة الطلب على أسطول الشحن، وتنشيط شركات النقل، وخلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، كما أن الربط السككي، إذا ما تم تنفيذه، سيشكل نقلة نوعية في كفاءة نقل البضائع، مما يعزز قدرة الأردن على المنافسة كممر تجاري منخفض الكلفة وعالي الكفاءة.

من زاوية أعمق، يحمل هذا التعاون فرصة لتقليل اعتماد الأردن على المسارات البحرية البعيدة والمكلفة، خاصة في ظل التقلبات التي قد تصيب خطوط الملاحة العالمية بسبب الاضطرابات والحروب التي تشهدها المنطقة، فوجود بديل بري فعال يمنح صانع القرار الاقتصادي مرونة أكبر في إدارة الأزمات، ويعزز الأمن الاقتصادي من خلال تنويع خيارات النقل والتوريد.

كما أن إشراك القطاع الخاص في هذا المسار يعزز من فرص تحويل الاتفاقيات إلى مشاريع استثمارية حقيقية، سواء في تطوير الموانئ الجافة، أو إنشاء مراكز لوجستية متقدمة، أو الاستثمار في البنية التحتية للنقل متعدد الوسائط، وهذا من شأنه أن يرفع من مساهمة قطاع الخدمات اللوجستية في الناتج المحلي، ويخلق بيئة أعمال أكثر ديناميكية.

الأردن في هذا السياق لا يتعامل مع التعاون مع فرصة التعاون الثلاثي كخيار تكميلي، بل كمدخل لإعادة بناء دوره الاقتصادي الإقليمي على أسس أكثر استدامة، فالموقع الجغرافي وحده لا يكفي، ما لم يترجم إلى شبكة مصالح متشابكة، ومشاريع ملموسة، وتدفقات تجارية مستمرة.

بيد أن التحدي الحقيقي يكمن في سرعة التنفيذ، وفي القدرة على إزالة العوائق البيروقراطية وتحديث التشريعات بما يتلاءم مع متطلبات النقل الحديث والتجارة العابرة للحدود، حيث إن كل تأخير يعني خسارة جزء من الفرصة لصالح مسارات بديلة تسعى لفرض نفسها في الإقليم.

في المحصلة، ما يتشكل اليوم يمثل فرصة حقيقية لإعادة تموضع الأردن كمركز ثقل لوجستي وتجاري، غير أن استغلال هذه الفرصة والاستفادة منها يعتمد على مدى القدرة على إدارتها بعقلية المبادرة، واستثمارها قبل أن تتآكل تحت ضغط المنافسة وتسارع التحولات، من خلال الانتقال الحاسم من فضاء التفاهمات إلى ميدان الإنجاز، ومن التصورات إلى الفعل المنتج، لأن الاقتصاد تحكمه حركة سريعة، ومن يحسن توظيف موقعه يكتب لنفسه دورا فاعلا في صياغة معادلات الإقليم سياسيا واقتصاديا وتجاريا. ــ الراي

مواضيع قد تهمك