د. عبير الرحباني : عظمة حضارة فارس .. أمام تهديدات ترامب
بداية.. فأنا لا أساند كل سياسات إيران.. ولا أؤيد كل تصريحات ترامب.. لكن الحق يفرض نفسه.. فالحضارة أقوى من القوة السياسية..
ففي زمن تتصارع فيه القوى.. وتعلو فيه نبرة التهديد فوق صوت العقل.. يبرز سؤال خطير يهز الضمير الإنساني :
(هل يمكن لقائد سياسي مهما بلغت قوته.. حتى لو كان مثل دونالد ترامب أن يمتلك الحق في تدمير حضارةٍ بأكملها؟ )
ليست إيران مجرد دولة على خارطة الصراعات.. بل هي امتداد لتاريخ إنساني عريق.. وجذور ضاربة في عمق الزمن منذ أيام الإمبراطورية الفارسية..
والحديث عن (تدمير حضارة) ليس تصريحا عابرا.. بل زلزال أخلاقي يضع الإنسانية كلها على المحك..
فبغض النظر عن إختلاف المواقف.. فإن تصريح ترامب.. بتدمير حضارة فارس في ايران .. خطير جدا.. لأن حضارة فارس لم تكن مجرد قوة عسكرية.. بل نموذج مبكر لدولة منظمة متعددة الثقافات..
حيث كانت أول إمبراطورية تجمع شعوبا متعددة تحت نظام إداري منظم.. كما تمثلت بالتسامح الديني والثقافي.. وتميزت باحترام ديانات وثقافات الشعوب المختلفة.. بعكس كثير من الإمبراطوريات في ذلك الزمن.. وقد تركت أثرا عميقا في السياسة والإدارة والحضارة الإنسانية حتى اليوم..
فلا يجوز لأي قائد أو رئيس دولة مهما كان .. أن يحاول مجرد التفكير. بتدمير حضارة دولة كاملة.. مثل إيران.. لعدة أسباب أساسية:
فمن ناحية القانون الدولي
فإن تدمير حضارة كاملة يعتبر.. جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية
وفق قوانين الأمم المتحدة واتفاقيات جنيف..
أما من الناحية الأخلاقية
فإن الحضارات ليست أنظمة سياسية فقط.. بل تشمل.. شعوب وتاريخ وثقافة.. وتراث إنساني عمره آلاف السنين.
وإيران تحديدا تحمل إرثا حضاريا عريقا يعود إلى
(الإمبراطورية الفارسية)
إسهامات في العلم والفلسفة والفن
أما من الناحية الواقعية
فحتى أقوى الدول في العالم.. لا تستطيع محو حضارة.. فالحروب قد تدمر بنى تحتية.. لكنها لا تقوم بإلغاء هوية الشعوب.. لذا من الضروري التمييز بين
الخلاف مع نظام سياسي
وبين تدمير شعب أو حضارة كاملة..
فالأول وارد في السياسة الدولية.. أما الثاني فهو مرفوض عالميا..
فلا يجوز لا للرئيس دونالد ترامب.. ولا لأي زعيم في العالم تدمير حضارة دولة بأكملها.. هذا يتعارض مع القانون.. والأخلاق..والواقع.
وما يلفت النظر معظم المشجعين عبر المواقع في تعليقاتهم الذين يؤيدون تدمير حضارة فارس.. فأن تكون ضد إيران أو أي دولة شيء.. وأن تشجع تدمير حضارة عمرها الالف السنين شيء آخر.. فهذا وإن دل فهو يدل على عدم إدراك أهمية الحضارات وعظمتها.. فما علاقة تدمير الحضارات بالحروب!؟
فالحضارات لا تُقصف بالصواريخ.. ولا تُمحى بقرار سياسي.. لأنها تسكن في وجدان الشعوب.. وفي ذاكرتهم.. وفي إرثهم الذي يتوارثونه جيلا بعد جيل..
وأي خطاب يدعو إلى تدمير حضارة.. لا يدين الدولة المستهدفة.. فهذا الخطاب لا يفضح إلا أزمة أخلاقية في منطق القوة حتى عندما يصدر عن قادة بحجم دونالد ترامب..
فاليست القوة الحقيقية في القدرة على التدمير.. بل في الحكمة التي تمنع الإنسان من أن يتحول إلى عدو للإنسانية نفسها..