سائد كراجة : قانون إعدام الأسرى.. من إدارة الصراع إلى منطق السحق
إن الإعدام ليس بشيءٍ جديدٍ في القانون الإسرائيلي، وقد امتنعت إسرائيل عن استخدامه سابقًا بدافع الخشية من صناعة رموز للمقاومة يصعب احتواؤها، لا لأسباب أخلاقية، فأخذت نصيحة قديمة تعود إلى بريطانيا، مُعلّم إسرائيل الأول في القمع، والتي نقلت خبرتها التفصيلية في قمع المقاومة خلال استعمارها لإيرلندا الشمالية.
هذا القانون، قانون عقوبة الإعدام للإرهابيين، أقرّه الكنيست الإسرائيلي،
ويقضي بإعدام من يُدان بقتل إسرائيليين إذا صُنّف الفعل «إرهابًا» أو بدافع
«إنكار وجود دولة إسرائيل»، ويُطبّق خصوصًا عبر المحاكم العسكرية في الضفة
الغربية، حيث يصبح الإعدام هو القاعدة خلال 90 يومًا، مع منع التخفيف أو
الإلغاء، وعزل المحكومين بالإعدام في زنازين منفردة.
قانون عام 2026 هذا، يمثل إسرائيل في طورها الجديد، طور السحق، وهو
الانتقال من منطق الاحتواء وإدارة الصراع إلى منطق التهشيم، ويعكس عودة إلى
منطق جابوتنسكي الصهيوني المتطرف في كتابه "الجدار الحديدي”، حيث تُفرض
القوة كواقع نهائي لا يُقاوَم بل يُستسلَم له. وهو ليس تعديلًا قانونيًا؛
بل وكما أشرت، طور سحق الأعداء وفرض واقع بالقوة، يتجلى في إقرار القانون
والاحتفال به، بل والاحتفال بالشمبانيا! حيث لم يعد الهدف الردع –إن
كان كذلك يوما—، بل تقليص الوجود الفلسطيني عبر القتل أو التهجير ضمن نموذج
يقترب من الأبارتايد.
حتى ضمن الخطاب السياسي الفلسطيني في الداخل، هناك إدراك عملي لهذا التحول،
فيشير الدكتور سامي أبو شحادة، في محاضرة له في معهد السياسة والمجتمع،
إلى أن القانون قد لا يُطبّق، لكنه يحمل دلالة انتقال إسرائيل إلى مرحلة
أكثر صراحة في إقصاء الوجود العربي الفلسطيني، بما يشمل فلسطينيي الداخل،
مع تراجع أي اعتبار للقانون الدولي أو للسمعة الدولية.
الخطوة القادمة هدم المسجد الأقصى، وهو لم يعد حدثًا بعيدًا، بل، كما يرى
فوزي بدوي، المفكر التونسي المتخصص في دراسة الصهيونية، مسألة وقت،
باعتباره استحقاقًا توراتيًا صهيونيًا، وتتويجًا لإعلان هزيمة للفكر
والعالم الإسلامي، الرسمي والشعبي في آنٍ واحد. وفي ظل غياب ردع عربي فعلي،
يصبح هذا السيناريو ضمن دائرة الإمكان، بل أقرب إليها من الاستبعاد.
في المقابل، يبدو العقل السياسي العربي في حالة ذهول، لم يستوعب بعد هذا
الطور الصهيوني الإسرائيلي ولا أبعاده. ما يتشكل ليس سياسات متفرقة، بل
تكريس للدولة اليهودية على كامل التراب الفلسطيني، مع تقليص الوجود
الفلسطيني أو إعادة تعريفه كوجود وظيفي هامشي.
وفي هذا السياق، يتبلور ما يمكن وصفه بفكرة «إسرائيل الكبرى»، ليس فقط
كامتداد جغرافي، بل كمنظومة هيمنة تفرض نفسها على كامل الفضاء الفلسطيني
وتعيد تشكيل محيطها العربي، بحيث تكون إسرائيل دولة مركزية قوية محاطة بدول
عربية تعمل على تقسيمها وإفشالها عبر التبعية الاقتصادية أو التشظي
المذهبي والعرقي، بما يضمن تفوقًا دائمًا، حيث لا يعود الهدف السيطرة على
الأرض فقط، بل التحكم في الإقليم سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، وفرض معادلة
يكون فيها الوجود العربي تابعًا أو محكومًا بشروط هذه القوة.
وخلاصة القول إن طور إسرائيل الجديد يستدعي مراجعة حقيقية من العقل السياسي
العربي بشقيه الرسمي والشعبي. ما جُرّب، وخصوصًا وهم السلام، لم يُجدِ، بل
قاد إلى خطر وجودي. وعليه، فإن البداية هي تحول في الذهن، يرى المشروع
الصهيوني كتهديد وجودي لا مشروع تفاوض.
البديل لم يعد خيارًا، بل مشروع عربي اقتصادي سياسي عسكري قائم على وحدة
المصالح لا وحدة المشاعر، وانفكاك تدريجي عن التحالفات الخارجية الغربية
والشرقية، وبناء منظومة تحالف عربي ذات اصطفاف داخلي، ومنظومة عربية سياسية
في إطار مشروع النهضة. قد يبدو ذلك طوبويًا، لكن المشاريع الكبرى تولد من
لحظات الانهيار، وما يبدو مستحيلًا في لحظة الضعف يصبح ممكنًا حين تتغير
الرؤية.
جنابك.
ــ الغد