الأخبار

د. عبد الله سرور الزعبي : تفريغ الجامعات.. من إنتاج الفكر إلى إنتاج العجز ( 1 - 2)

د. عبد الله سرور الزعبي : تفريغ الجامعات.. من إنتاج الفكر إلى إنتاج العجز ( 1  2)
أخبارنا :  

ليست كل الحروب تُخاض بالسلاح، ولا تُقاس الهزائم دومًا بعدد الضحايا أو حجم الدمار؛ فهناك صراعات أكثر هدوءًا وأشد تأثيرًا، تستهدف العقل قبل الجغرافيا، والوعي قبل الأرض. في هذا النوع من الصراعات، لا تكون الهزيمة مجرد خسارة ميدانية عابرة، بل فقدان القدرة على النهوض، وتعطّل القدرة على إعادة إنتاج المستقبل. من هنا تبرز فكرة الحروب الفكرية بوصفها أخطر أشكال الصراع، لأنها تُقاس بعدد العقول الصامتة، والأفكار المجهضة، والمؤسسات التعليمية التي فقدت وظيفتها التاريخية. فحين تُهزم الجامعات، لا تسقط المؤسسات فحسب، بل يُهزم المعنى ذاته، وتصبح الدولة عاجزة عن حماية مستقبلها، حتى وإن ربحت معاركها العسكرية.

التاريخ يقدم أدلة حية على هذه الحقيقة. خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، لم تكن الجامعات بعيدة عن ساحة المعركة، بل كانت في قلبها. فقد تعرضت مؤسسات علمية أوروبية للتدمير، والتعطيل، أو التسييس القسري، ضمن استراتيجية واعية لإعادة تشكيل موازين القوة عبر السيطرة على المعرفة. في ألمانيا النازية، خضعت الجامعات لإعادة هندسة فكرية شاملة، تحولت من فضاءات نقدية إلى أدوات أيديولوجية، لم يعد هدفها إنتاج المعرفة الحرة، بل إنتاج "العقل المطيع". أُقصي العلماء، وهُجّرت آلاف العقول إلى الولايات المتحدة وبريطانيا، في واحدة من أكبر عمليات إعادة توزيع القوة المعرفية في التاريخ الحديث، فخسرت ألمانيا عمقها الفكري، بينما ربحت قوى أخرى تفوقًا علميًا واستراتيجيًا طويل الأمد. وفي إسبانيا، خلال الحرب الأهلية، تحولت الجامعات إلى جبهات أيديولوجية مفتوحة، إذ لم يكن الصراع على السلطة فحسب، بل على تعريف الحقيقة ذاتها، فتم تفريغ الجامعات من نخبتها الفكرية، لتحل محلها طبقات اكاديمية عاجزة عن إنتاج فكر نقدي مستقل، ما تسبب بانقطاع حضاري عميق دام لعقود، وتجربة العراق ليست ببعيدة.
الفارق الجوهري بين الحروب التقليدية والحروب الفكرية واضح، ففي الأولى تُدمَّر المدن لإخضاع الشعوب، أما في الثانية فتُفرَّغ الجامعات لإعادة تشكيل الشعوب نفسها. لم يعد الهدف احتلال الجغرافيا، بل احتلال المستقبل. وكما أشار ميشيل فوكو، فإن السلطة في شكلها الحديث لا تُمارس بالقمع المباشر فحسب، بل عبر إنتاج المعرفة نفسها؛ ومن يحدد ما يُدرّس، وما يُعترف به كعلم، وما يُقصى باعتباره هامشيًا أو خطرًا، يحدد الحقيقة ويعيد تشكيل الواقع. وهكذا تصبح الجامعات أكثر حلبات الصراع حساسية، إما فضاء لإنتاج الفكر الحر، أو أداة لإعادة إنتاج الهيمنة.
لقد أدرك الفلاسفة والمفكرون عبر العصور خطورة هذا الصراع. أفلاطون رأى أن من يسيطر على التربية يحدد مصير الدولة، لأن تشكيل وعي النشء هو جوهر السياسة. وابن خلدون حذر من أن انحطاط العمران يبدأ حين تفسد العلوم وتفقد وظيفتها، معتبرًا أن تراجع القدرة على إنتاج المعرفة أخطر من فقدان الموارد المادية. في الفكر الحديث، ارتبطت المعرفة بالسلطة بوصفهما وجهين لعملة واحدة؛ فالقوة لم تعد تمارس بالقمع فقط، بل عبر إنتاج "الحقيقة" نفسها. غرامشي أوضح أن الهيمنة الحقيقية تُبنى عبر المؤسسات التعليمية والثقافية التي تعيد تشكيل العقل الجمعي، بينما بورديو، أضاف أن الجامعات لا تنقل المعرفة فحسب، بل تعيد إنتاج النخب، وأن أي خلل في معاييرها يقود إلى إنتاج طبقات قيادات ضعيفة تعيد تكريس الأزمة بدل حلها. في المقابل، حذر دريدا، من أن تفكيك المعاني دون ضوابط قد يقود إلى فوضى معرفية تُفرغ الحقيقة من مضمونها، فيما يشير هراري إلى أن الصراع المستقبلي سيكون على البيانات والوعي، وأن التحدي لم يعد امتلاك المعرفة، بل القدرة على تحويلها إلى قوة فعلية والتحكم في مسارات إنتاجها وتداولها.
في البعد الجيوسياسي والفلسفي، تتجلى الحروب الفكرية كصراع على المعنى قبل القوة؛ هنتنغتون، يرى أن صراعات المستقبل حضارية وثقافية بقدر ما هي سياسية، بينما يؤكد توينبي أن انهيار الامم يبدأ من الداخل حين تعجز نخبها عن الاستجابة. ويضيف كيسنجر، أن النظام الدولي يُدار بتوازنات الفكر بقدر ما يُدار بالقوة، لتغدو المعرفة أداة استراتيجية موازية للجيوش. ام هايدغر فيمنح هذا التصور عمقًا آخر حين يحذر من أن الخطر ليس فقدان الأدوات، بل فقدان المعنى؛ فحين تفقد الجامعات معناها، تعجز عن إنتاج عقل نقدي، ويصبح المجتمع قادرًا على العمل بلا تفكير، والإنتاج بلا ابتكار. وهنا تتضح الحقيقة، المعركة تُحسم في العقل قبل الميدان. ومع صعود التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، يمتد الصراع ليشمل طريقة التفكير ذاته، ما يضع الجامعات أمام تحدٍ حاسم.
مع دخول العصر الحديث، تحولت الحروب الفكرية من أفعال متفرقة إلى استراتيجيات منظمة تُدار بوعي لطبيعة القوة الحقيقية. لم تعد السيطرة على الأرض كافية، بل أصبح الهدف السيطرة على وعي الإنسان ذاته، وإعادة هندسة تفكيره، ومن ثم المجتمع بأكمله. عندها تصبح الهزيمة حالة مقنّعة بالعقلانية، والتراجع خيارًا يبدو طبيعيًا، والسيطرة نتيجة اقتناع لا نتيجة إكراه. هنا تبلغ الحروب الفكرية ذروتها، فهي لا تُدمّر الحاضر فحسب، بل تعيد برمجة المستقبل ذاته.
تلعب الجامعات دورًا محوريًا في هذا المسار؛ فهي قد تتحول من أدوات مقاومة إلى أدوات ضمن منظومة الهيمنة. ويحدث ذلك غالبًا من داخلها، عبر آليات تبدو إدارية لكنها تحمل آثارًا استراتيجية عميقة، تهميش الكفاءات، وتغليب التبعية على الجدارة، وقتل المبادرات، وإعادة تعريف النجاح باعتباره "تجنب الخطأ" لا "تحقيق الإنجاز". هنا لا يُقصى قادة الفكر الإصلاحي دائمًا بقرارات صريحة، بل يُحاصرون داخل منظومة لا تسمح لهم بالتأثير. عندها يتحقق أخطر أشكال الإقصاء، إقصاء الفكرة دون إخراج صاحبها، وإفراغ العقل من تأثيره دون إخراجه من المؤسسة، فتمر الامور بشكل يبدؤ وكانه طبيعي. فتتحول الجامعات إلى بيئة تكافئ الحذر وتُعاقب الجرأة، وتُفضّل المجاملة على الفكرة، والإجراء على الرؤية.
أخطر هذه التحولات تتمثل في ما يمكن تسميته بـ"التفريغ الناعم"، لم تعد الجامعات تُغلق أو تُقمع مباشرًا، بل يُعاد تعريف وظيفتها تدريجيًا من الداخل؛ من فضاء لإنتاج المعرفة إلى منظومة لإعادة إنتاج الامتثال، عبر إضعاف العلوم النقدية والإنسانية، تحويل البحث العلمي إلى نشاط شكلي يخضع لمؤشرات كمية، وتضخيم البيروقراطية، وربط الترقية بمعايير شكلية تُكافئ الكم وتُهمّش النوع. هنا لا تُقمع الأفكار مباشرة، بل تُفرغ من قيمتها، ويُستبدل التفكير النقدي بالتكرار المنضبط.
مع تراكم هذه الممارسات، يدخل النظام الجامعي في حالة "الاستقرار الوهمي"، انضباط إداري ظاهر يقابله تآكل معرفي عميق. الجامعة لم تعد ساحة صراع فكري حي، بل مساحة خالية من التوتر الإبداعي؛ مؤسسة تعمل لكنها لا تفكر، تُدرّس لكنها لا تُنتج، تُخرّج لكنها لا تغيّر. وهنا تتحقق أخطر أهداف الحروب الفكرية، هزيمة يومية تُدار بهدوء، دون الحاجة إلى تدخل خارجي، باعتبار ان أبواب الانهيار فتحت من الداخل بعقلية تخشى القرار أكثر مما تخشى التراجع.
في المحصلة، الجامعات أصبحت ميادين استراتيجية في الجغرافيا السياسية الحديثة. القيادات الأكاديمية، من المفترض ان تكون خط الدفاع الأول عن الفكر الحر، فالقادة الأكاديميون المؤهلون قادرون على حماية المؤسسات من الانحراف نحو التبعية الفكرية، بينما القيادات البيروقراطية، والحذرة، والخاضعة لأصحاب المصالح والنفوذ، تتحول إلى ثغرة استراتيجية، تسمح باختراق المؤسسات من الداخل، وبإعادة تعريف النجاح بالامتثال لا بالإبداع، واستبدال الكفاءة بالتبعية والعلاقات والمظاهر، وتتحول القيادة الى ادارة روتينية (يوم بيومه). عندها تتحول القيادة من فعل استراتيجي إلى سلوك دفاعي يهدف إلى تجنب الأزمات بدل صناعة التحول، وتُدار الجامعات بمنطق تقليل الخسائر لا تعظيم الفرص. وتُؤجَّل القرارات الكبرى، وتُجهض المبادرات الجريئة، ويتسلل التفريغ بصمت عبر منع ولادة أي فكرة أصلاً.
حين تسود هذه العقليات، لا يقتصر أثرها على الأداء الضعيف فحسب، بل يمتد إلى رسالة المؤسسة نفسها، محدثة آثار اجتماعية وسياسية عميقة. فالمجتمع الذي يُفرَّغ من قدرته على التفكير النقدي يصبح أكثر قابلية للتوجيه، وأقل قدرة على إنتاج حلول ذاتية. ومع تراجع القدرة على التمييز والحكم، تصبح السيطرة أكثر سلاسة، لأنها تُمارس عبر القبول لا الإكراه.
عندها تفقد الجامعات دورها القيادي، وتصبح تابعًا للوعي السائد بدل أن تشكّله، فتتحول المؤسسة التي يفترض أن تُنتج الفكرة والوعي إلى انعكاس محدود للحدود المرسومة للعقل، وتفقد تدريجيًا وظيفتها التاريخية ومعناها الحضاري، لتصبح ساحة لإعادة إنتاج الامتثال، والروتين بدل الإبداع، والحفاظ على الاستقرار الشكلّي وتجنب المخاطر، والجرأة على السؤال، والانعكاس المحدود بدل الإنتاج المعرفي الذي يشكّل المستقبل. عندها تنزلق المؤسسات تدريجيًا نحو التبعية الفكرية والبيروقراطية الجامدة.
هنا تتحقق الهزيمة الفكرية، ولن تكون حدثًا طارئًا، باعتبار ان الانهيار جاء من الداخل كمسار تراكمي مستمر، ويُدار بصمت، حتى يتحول إلى واقع مكتمل؛ وتفقد فيه الجامعات وظيفتها التاريخية ومعناها الحضاري.
وفي المحصلة النهائية، لم تعد الحروب الفكرية ظاهرة هامشية، بل أصبحت أخطر مسار لإعادة تشكيل المجتمعات، إذ لم يعد الهدف إسقاط الدول عبر أنظمتها فحسب، بل عبر إضعاف جامعاتها، لا بإغلاقها، بل بتفريغها من الفكر والجرأة والأسئلة الكبرى، حتى تتحول من فضاءات لإنتاج العقول إلى آلات لإعادة إنتاج الشهادات (وتصبح الشهادة غاية بحد ذاتها) والضعف المؤسسي. وفي كثير من جامعات العالم الثالث، لا تكمن الأزمة في نقص الكفاءات بقدر ما تكمن في غياب البيئة التي تمكّنها، فالصراعات المباشرة أو التفريغ الهادئ يؤديان إلى فقدان "الكتلة الحرجة"، القادرة على إنتاج معرفة مستقلة، وإضعاف البحث العلمي، واكساب المهارة، وتكريس ثقافة التلقين، وتضخم البيروقراطية، حتى تتحول الجامعات إلى أجهزة تُدار بالروتين لا بالعقل النقدي. النتيجة واحدة، تراجع إنتاج المعرفة، وزيادة الاعتماد على استيرادها، وتآكل دور الجامعة كمحرّك للتغيير، واتساع الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات المجتمع، ويحوّل المؤسسة من أداة للحل إلى جزء من المشكلة.
هنا يبرز السؤال الحاسم، كيف تُحمى الجامعات من هذا المصير، في وقت تُخاض فيه المعركة على العقل قبل الأرض؟
قبل الانتقال إلى الجزء الثاني من المقال، لنتحدث عن الحالة الأردنية، يبقى الدرس واضحًا، حماية المستقبل تبدأ بحماية القدرة على التفكير، والإبداع، والإنتاج المعرفي الحر.

*مركز عبر المتوسط للدراسات الإستراتيجية

مواضيع قد تهمك